دعا تقرير استشرافي جديد إلى إطلاق إصلاحات هيكلية وعميقة لإعادة بناء الثقة في الحياة السياسية بالمغرب، معتبرا أن مواجهة العزوف الانتخابي وتراجع ثقة المواطنين في الأحزاب لن تتحقق عبر حملات ظرفية لحث الناخبين على المشاركة، وإنما من خلال مراجعة شاملة لأدوار الأحزاب وآليات اشتغالها، وتحديث قنوات المشاركة السياسية بما يواكب التحولات الاجتماعية والرقمية.
وجاءت هذه التوصيات ضمن تقرير أصدره المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة بعنوان “المشهد الحزبي والسياسي في المغرب في أفق 2035”، والذي رسم مجموعة من الإصلاحات المقترحة لتجديد العمل السياسي وتعزيز الديمقراطية التمثيلية والتشاركية خلال العقد المقبل.
وأكد التقرير أن إصلاح الأحزاب يبدأ من داخلها، داعيا إلى إرساء ديمقراطية داخلية فعلية عبر تنظيم انتخابات دورية لتجديد القيادات، واعتماد آليات لتقييم الأداء، مع إلزام الأحزاب بنشر برامج انتخابية واضحة وقابلة للقياس قبل الاستحقاقات الانتخابية، وتقديم حصيلة تنفيذها بعد انتهاء الولايات الانتدابية، بما يعزز مبدأي الشفافية والمحاسبة.
كما شدد على ضرورة تجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والنساء للوصول إلى مواقع القرار داخل الأحزاب، مع الحد من هيمنة منطق الأعيان، بما يعيد للأحزاب دورها في إنتاج النخب وتأطير المواطنين.
وفي ما يتعلق بالعرض السياسي، أوصى التقرير بصياغة برامج أكثر تمايزا ترتبط بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والعدالة المجالية، معتبرا أن تشابه الخطابات والبرامج بين الأحزاب يضعف المنافسة السياسية ويحد من قدرة الناخب على التمييز بين البدائل المطروحة.
وعلى صعيد المشاركة الانتخابية، دعا التقرير إلى اعتماد التسجيل الآلي في اللوائح الانتخابية بمجرد بلوغ سن الرشد، وتبسيط إجراءات التصويت، واختبار حلول رقمية آمنة لتسهيل المشاركة، إلى جانب إعداد خرائط دقيقة لرصد مناطق وفئات العزوف الانتخابي قصد توجيه السياسات العمومية بشكل أكثر فعالية.
كما أوصى بإحداث مؤشرات دورية لقياس مستويات الثقة في المؤسسات والأحزاب وتقييم تطور المشاركة السياسية، بما يسمح بتتبع أثر الإصلاحات وإدخال التعديلات اللازمة وفق النتائج المحققة.
ورأى التقرير أن الشباب لم يبتعد عن الاهتمام بالشأن العام، بل غير فضاءات التعبير والمشاركة، الأمر الذي يفرض على الأحزاب تطوير وسائل تواصلها والاستفادة من المنصات الرقمية، مع تكييف أساليب العمل الحزبي مع أنماط الانخراط الجديدة.
وفي الجانب الإعلامي، دعا التقرير إلى تطوير إعلام سياسي أكثر مهنية وحيادا، قادر على تبسيط البرامج السياسية وإغناء النقاش العمومي، من خلال تشجيع المناظرات والبرامج الحوارية وإشراك الشباب والخبراء في تناول القضايا السياسية.
كما شدد على أهمية تعزيز التربية المدنية والتكوين السياسي لترسيخ قيم المواطنة والمشاركة، إلى جانب توسيع آليات الديمقراطية التشاركية بما يتيح للمواطنين الإسهام بصورة أكبر في النقاش العمومي وتتبع تنفيذ السياسات.
وربط التقرير استعادة الثقة في الأحزاب بقدرتها على تقديم حلول عملية لمشكلات التشغيل والتنمية والعدالة المجالية، مع ضرورة أن تنعكس الإصلاحات الاقتصادية على الحياة اليومية للمواطنين بشكل ملموس.
وفي السياق نفسه، أوصى بالاستفادة من الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تحديث تدبير الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وتحسين التواصل مع المواطنين، واستثمار المعطيات الرقمية في دعم اتخاذ القرار وصياغة سياسات أكثر استجابة للتحولات المجتمعية.
وخلص التقرير إلى أن إعادة بناء الثقة في الحياة السياسية تتطلب رؤية إصلاحية تمتد إلى سنة 2035، تقوم على التقييم المستمر لأداء الأحزاب والمؤسسات، وترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها الشفافية والمحاسبة وتجديد النخب وتعزيز دور الأحزاب كوسيط بين المواطن ومؤسسات الدولة، بما يدعم المسار الديمقراطي ويعزز المشاركة السياسية.








































