ارتفعت الأصوات المنتقدة لسياسات الحكومة من داخل المجتمع ومن خارجه، وخصوصاً بين صفوف الشباب الذين عبّروا عن غضبهم عبر الشارع والفضاء الرقمي. ومع اقتراب نهاية الولاية، بدأت ملامح التصدع تظهر داخل التحالف الحكومي نفسه، الذي يعيش حالة من الارتباك في الخطاب والتدافع في المواقف، في مقابل معارضة تستثمر هذا الوضع لتأكيد فشل الحكومة في الوفاء بالتزاماتها وبرنامجها الاجتماعي والاقتصادي.
واعتبرت أصوات من المعارضة ان الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة كشفت عمق الفجوة بين الحكومة والمجتمع، خاصة مع تنامي الإحساس بعدم جدوى الخطاب الرسمي الذي يبرر التأخر بالإكراهات الموضوعية. فقد تصاعدت المطالب الشعبية، خصوصاً تلك التي تخص التعليم والصحة والتشغيل، وهي المجالات التي شكلت جوهر البرنامج الحكومي. غير أن غياب الأثر الملموس للإصلاحات المعلنة جعل الثقة في المؤسسات السياسية تتراجع بشكل ملحوظ.
و اشارت المعارضة الى ان الاحتقان الذي عبر عنه الشباب في الشوارع ومنصات التواصل الاجتماعي لم يكن مجرد ردة فعل ظرفية، بل أصبح مؤشراً على أزمة بنيوية تطال علاقة المواطن بالدولة وبالفاعل الحزبي. فجيل جديد من الشباب لم يعد يرى في الأحزاب السياسية وسيطاً قادراً على تمثيل تطلعاته، بل يعتبرها جزءاً من الأزمة التي يعيشها المجتمع. هذا التحول في المزاج العام يضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع أسئلة عميقة تتعلق بالشرعية الاجتماعية لسياساتها.
و شددت المعارضة على أنه بالرغم محاولات قادة التحالف الحكومي الدفاع عن الحصيلة العامة، إلا أن الخطاب الصادر عنهم بات متناقضاً في مضامينه. فبين من يؤكد على وجود إنجازات إصلاحية تحتاج إلى وقت لتظهر نتائجها، ومن يعترف ضمنياً بوجود قصور في الحكامة أو الكفاءة أو التواصل، تبدو الأغلبية في وضع دفاعي أكثر منه هجومي.
و اضافت اصوات المعارضة انه عكس الحديث المتكرر عن ضرورة “الابتعاد عن الشعبوية وخطاب التبخيس” في عمقه توتراً داخلياً، ومحاولة لاحتواء السخط الشعبي دون تقديم أجوبة عملية. كما أن الدعوات إلى “التواصل مع الشباب” تكشف عن إدراك متأخر لعمق الفجوة القائمة بين الفاعل السياسي والجيل الجديد. في المقابل، يتهم بعض أعضاء التحالف شركاءهم ضمنياً بالتقصير في تنفيذ المشاريع الاجتماعية الكبرى أو في تدبير القطاعات الحيوية، ما يعزز فرضية غياب الانسجام الحكومي الذي يفترض أن يكون ركيزة أي إصلاح فعلي.
ووجدت المعارضة في هذا الوضع فرصة لتقوية موقعها السياسي. فقد ركز خطابها على فشل الحكومة في تحقيق وعودها الكبرى، خاصة ما يتعلق بتوفير فرص الشغل، والنهوض بالطبقة المتوسطة، وتحسين الخدمات العمومية. الخطاب المعارض أصبح أكثر حدة، متوجهاً إلى المواطنين بلغة قريبة من الشارع، ومحملاً الحكومة مسؤولية ارتفاع منسوب الإحباط واليأس.
غير أن المعارضة نفسها تواجه تحديات في تجديد أدواتها وأساليب تواصلها. فبين المعارضة البرلمانية التي تمارس أدوارها داخل المؤسسات، والمعارضة الشعبية التي تتشكل من النقابات والحركات الاجتماعية، يبرز تباين واضح في الرؤية والوسائل. فالأولى تشتكي من ضعف التفاعل الحكومي مع أسئلتها ومقترحاتها، والثانية ترفع مطالب اجتماعية واقتصادية خارج الإطار الحزبي، ما يجعل الفعل الاحتجاجي أكثر استقلالية عن القنوات السياسية التقليدية.
و اضفى الخطاب الملكي بعداً إضافياً على النقاش السياسي، إذ دعا إلى اعتماد جيل جديد من البرامج التنموية والقطع مع النموذج الذي يسير بسرعتين. هذه الرسالة فسرت على نطاق واسع باعتبارها تقويماً ضمنياً للأداء الحكومي، ودعوة إلى مراجعة عميقة للسياسات العمومية. غير أن تفاعل الأغلبية مع هذه الدعوة ظل محدوداً، مقتصراً على التذكير بما تحقق دون تقديم رؤية واضحة للمرحلة المقبلة، ما زاد من انطباع أن الحكومة في وضع انتظار أو “تنصل من الاستئناف الحكومي”، أي غياب الإرادة الفعلية لاستكمال الإصلاحات وفق مقاربة جديدة.
و تضع المرحلة الراهنة الحكومة أمام امتحان صعب بين الدفاع عن حصيلتها وإدارة تصاعد الاحتقان الاجتماعي. فالتحديات لم تعد تقنية بقدر ما هي سياسية تتعلق بالقدرة على استعادة الثقة. ومع اقتراب نهاية الولاية، تتجه الأنظار إلى مكونات الأغلبية التي يبدو أنها فقدت تماسكها، بين حسابات انتخابية مبكرة وتبريرات متعددة للأداء المتعثر.
و يتزايد حضور خطاب اجتماعي غاضب يطالب بإجابات واضحة حول مصير الإصلاحات الموعودة. ورغم أن الحكومة تؤكد أن بعض المشاريع تحتاج إلى “الزمن الإصلاحي”، فإن الشارع يبدو غير مقتنع بالانتظار. فالتباعد بين خطاب السلطة وواقع المواطنين يزداد اتساعاً، ما ينذر بمزيد من التآكل في رصيد الثقة السياسية، حيث ان ما يجري اليوم لا يقتصر على تباين ظرفي في المواقف، بل يعبّر عن تحول أعمق في البنية السياسية المغربية، حيث يضعف الرابط بين الأحزاب والمجتمع، وتتعاظم الحاجة إلى تجديد الوساطة السياسية بمضامين جديدة تواكب التحولات الاجتماعية والثقافية. وفي ظل غياب رؤية منسجمة داخل التحالف الحكومي، واستمرار المعارضة في توظيف الأزمة دون تقديم بدائل واقعية، يبقى المشهد السياسي مفتوحاً على كل الاحتمالات.
وهكذا، فإن تنامي الاحتقان الاجتماعي وتنصل الأغلبية من الاستئناف الفعلي للإصلاحات يجعلان الحكومة تواجه لحظة مفصلية. فإما أن تبادر إلى مراجعة عميقة لنهجها وتعيد بناء جسور الثقة مع المواطنين، أو تستسلم لمنطق التبرير والانتظار، وهو ما سيكرس مزيداً من التفكك داخل الأغلبية، ويعجل بمرحلة سياسية جديدة عنوانها البحث عن بديل أكثر قدرة على مخاطبة المجتمع بلغة الفعل لا الوعود.










































