يشهد ملف الصحراء المغربية في الآونة الأخيرة تحولات دبلوماسية متسارعة، أعادت رسم موازين القوى داخل مجلس الأمن، وأكدت نجاح الدبلوماسية المغربية في كسب رهان الشرعية الدولية حول مبادرة الحكم الذاتي كخيار واقعي ونهائي لإنهاء هذا النزاع المفتعل. فبعد سنوات من التجاذب والمواقف المتباينة، بات واضحاً أن المقاربة المغربية القائمة على الواقعية والبراغماتية وجدت صدى واسعاً في الأوساط الدولية، لتتحول المبادرة المغربية إلى مرجعية أساسية في مسار التسوية الأممية.
و تمكن المغرب خلال الدورة الأخيرة لمجلس الأمن، من تحقيق انتصار سياسي جديد بعد اعتماد القرار الأممي رقم 2756، الذي جدد التأكيد على مركزية الحل السياسي التوافقي والواقعي، بعيداً عن أي طرح يتناقض مع الشرعية الدولية. القرار جاء ليكرّس التوجه الدولي الداعم للحكم الذاتي، باعتباره الإطار الوحيد الكفيل بتوفير حل نهائي ومستدام لهذا النزاع الإقليمي الذي طال أمده.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة استراتيجية دبلوماسية متواصلة اعتمدها المغرب منذ تقديمه لمبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، باعتبارها مقترحاً جدياً وذا مصداقية كما وصفه مجلس الأمن في قراراته المتتالية. واليوم، تؤكد جلّ الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن الحل لا يمكن أن يكون إلا في إطار سيادة المغرب ووحدته الترابية، وفي ظل نظام حكم ذاتي يضمن التنمية والاستقرار لسكان الأقاليم الجنوبية.
ومن أبرز ملامح التحول الجديد في مجلس الأمن، الموقف الروسي الذي اكتسب هذه المرة بعداً لافتاً. فرغم التوازن التقليدي الذي تحافظ عليه موسكو في القضايا الإقليمية، فإنها خلال المشاورات الأخيرة أبدت تفهماً أكبر للمقاربة المغربية، واعتبرت أن مبادرة الحكم الذاتي تتيح أرضية عملية لتجاوز الجمود الدبلوماسي. هذا الموقف الروسي، الذي أُدرج ضمن مداولات مجلس الأمن بشكل غير رسمي، يُعد مؤشراً على تغير في القراءة الروسية لملف الصحراء المغربية، خاصة في ظل إدراك موسكو لأهمية الاستقرار في شمال إفريقيا، وضرورة بناء شراكات متوازنة مع القوى الإقليمية الفاعلة وعلى رأسها المغرب.
ويعكس هذا التقارب الروسي-المغربي في الموقف من قضية الصحراء إدراكاً متبادلاً بأن الحلول الواقعية هي وحدها القادرة على ضمان الاستقرار والتنمية، وأن منطق الانفصال لم يعد يحظى بأي تأييد دولي. كما أن الدبلوماسية المغربية استطاعت عبر علاقاتها المتينة مع القوى الكبرى – من الولايات المتحدة وفرنسا إلى الصين وروسيا – أن تكرّس اقتناعاً متزايداً بأن الحكم الذاتي هو الإطار الأكثر انسجاماً مع منطق الأمم المتحدة ومع تطلعات الساكنة المحلية.
وفي الوقت الذي تحاول بعض الأطراف الإقليمية الحفاظ على مواقف جامدة، فإن المجتمع الدولي بات موحداً تقريباً حول ضرورة تجاوز الخطابات القديمة وإعطاء الأولوية لحل سياسي واقعي. فقد عبرت أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن، بما فيها الدول الإفريقية والآسيوية، عن دعمها الصريح للمقاربة المغربية التي أثبتت نجاعتها في الحفاظ على الاستقرار وإطلاق دينامية تنموية غير مسبوقة في الأقاليم الجنوبية.
و أشار العديد من المتدخلين في النقاشات المغلقة لمجلس الأمن إلى أن التطورات الميدانية والاقتصادية في الصحراء المغربية، من مشاريع بنية تحتية كبرى ومناطق اقتصادية واعدة، تشكل دليلاً ملموساً على أن الحكم الذاتي ليس مجرد فكرة سياسية، بل رؤية شاملة لبناء نموذج تنموي متكامل في الجنوب المغربي.
ويبدو أن مسار القرارات الأممية المقبلة سيسير في اتجاه تعزيز هذا الخيار الواقعي، مع التركيز على ضرورة انخراط كل الأطراف في المفاوضات بنفس الروح البنّاءة التي أظهرها المغرب. فبعد عقود من الجدل، باتت الأمم المتحدة مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بأن الاستمرار في الوضع الراهن لم يعد مقبولاً، وأن الحل في متناول اليد متى توفرت الإرادة السياسية لذلك.
و استطاع المغرب، بفضل وضوح رؤيته وثبات مواقفه، أن يحوّل قضية الصحراء إلى رافعة دبلوماسية تجمع حوله دول العالم، لا سيما بعد أن تبين أن مبادرته تحقق توازناً بين الشرعية الدولية واحترام سيادته الوطنية. واليوم، باتت مغربية الصحراء حقيقة تؤكدها مواقف الدول الكبرى وقرارات الأمم المتحدة المتعاقبة، كما تعززها الدينامية التنموية والسياسية على أرض الواقع.
و اعتبر مراقبون ان الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية ليس فقط ورقة انتصار مغربي في مجلس الأمن، بل هو انتصار لمنطق الواقعية والعقلانية في معالجة القضايا الإقليمية، ورسالة إلى العالم بأن المغرب ماضٍ بثبات نحو استكمال وحدته الترابية في إطار مشروع وطني جامع، يعزز الاستقرار الإقليمي ويفتح آفاق التعاون والشراكة بين ضفتي المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء.
وفي ظل هذا التوجه الدولي الواضح، يتأكد أن زمن النزاعات المصطنعة قد ولى، وأن مغربية الصحراء أصبحت اليوم من الثوابت المعترف بها على الساحة الدولية، لتتحول المبادرة المغربية إلى عنوان للحكمة السياسية والنضج الدبلوماسي، وإلى ركيزة أساسية في بناء السلم والاستقرار الإقليمي.










































