تعيش الساحة الحقوقية والقانونية المغربية هذه الأيام على وقع جدل كبير أثاره مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي صادق عليه البرلمان مؤخراً، بعدما تعالت أصوات حقوقية وجمعوية تُطالب بإحالته على المحكمة الدستورية لفحص مدى مطابقته للوثيقة الدستورية. ويأتي هذا الحراك الحقوقي بعد القرار الصادر عن المحكمة الدستورية، الذي قضى بعدم دستورية جملة من مواد مشروع قانون المسطرة المدنية، في خطوة اعتبرتها هيئات حقوقية “انتصاراً للدستور وضماناته الأساسية”، ومؤشراً على ضرورة إخضاع القوانين الأخرى، وعلى رأسها مشروع المسطرة الجنائية، للرقابة الدستورية الصارمة.
المطالب الحقوقية تعززت بشكل لافت عقب إحالة رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، لمشروع قانون المسطرة المدنية على القضاء الدستوري، وهو ما أسفر عن إسقاط مجموعة من المقتضيات التي رأت المحكمة أنها تتعارض مع أحكام الدستور. وهو ما جعل الحقوقيين يستندون إلى هذا المعطى للمطالبة بالمسار نفسه بالنسبة إلى المسطرة الجنائية، خاصة وأن هذه الأخيرة تتضمن مقتضيات وصفت بـ”الخطيرة” من قبل عدة أصوات حقوقية، ولاسيما المادتان 3 و7، اللتان تمنحان، بحسب المنتقدين، امتيازات قضائية لعدد من المسؤولين العموميين في قضايا الفساد ونهب المال العام، وتحد من إمكانية الجمعيات الحقوقية في الانتصاب كطرف مدني في هذا النوع من القضايا.
الفصل 132 من الدستور المغربي يتيح صراحة للملك، ورئيس الحكومة، ورئيسي غرفتي البرلمان، وخُمس أعضاء مجلس النواب، وأربعين عضواً من أعضاء مجلس المستشارين، إمكانية إحالة القوانين أو الاتفاقيات الدولية على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها. وهو ما يراهن عليه تحالف واسع من الحقوقيين، في مقدمتهم “تحالف ربيع الكرامة” والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والجمعية المغربية لحماية المال العام، من أجل ممارسة رقابة استباقية على نص قانوني يعتبرونه ماسّاً بمبادئ المساواة والعدالة والديمقراطية. فقد دعا التحالف البرلمان إلى تحمل مسؤولياته التاريخية وإحالة المشروع على المحكمة الدستورية، مؤكداً أن بعض مواده “تكرس التمييز والإقصاء” وتنتقص من حقوق النساء والضحايا وتضرب في العمق مبدأ المساواة أمام القانون.
محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، كان من أبرز الأصوات التي ارتفعت ضد المادتين 3 و7، معتبراً أنهما “تجسدان انتهاكاً سافراً لمبدأ فصل السلط ولمقتضيات الدستور، خاصة الفصل 107 الذي يضمن استقلالية القضاء”. الغلوسي أوضح أن المادتين تمنحان حصانة غير مبررة لمسؤولين يدبرون المال العام، في خرق للفصل السادس من الدستور الذي ينص على أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون. وأضاف أن الأمر لا يتعلق فقط بمسألة تقنية، بل بتهديد حقيقي لجهود مكافحة الفساد، لاسيما وأن المغرب ملتزم دولياً باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. الغلوسي لم يتردد في وصف تمرير هاتين المادتين بـ”التواطؤ المفضوح” داخل البرلمان لصالح نخبة سياسية مستفيدة من الفساد، معتبراً أن الدولة اليوم مطالبة بوقف هذا “الانحراف التشريعي” من خلال المحكمة الدستورية.
من جانبها، أكدت حياة النديشي، عضو “تحالف ربيع الكرامة”، أن المقتضيات التمييزية الواردة في المشروع ظلت على حالها رغم المناشدات والمذكرات المفصلة التي وجهها التحالف للبرلمان، معتبرة ذلك دليلاً على “تجاهل لمبادئ الدستور المتعلقة بعدم التمييز ومقاربة النوع”. وأشارت إلى أن المشروع في صيغته الحالية لا يوازي تطلعات النساء ولا ينسجم مع الشعارات الحداثية التي يرفعها وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي تبنى المشروع باعتباره ثمرة توافقات حكومية محدودة.
ومباشرة بعد قرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية أزيد من ثلاثين مادة ضمن مشروع المسطرة المدنية، ارتفعت الأصوات التي ترى أن الوضع بالنسبة إلى المسطرة الجنائية أكثر خطورة، ما يستدعي إحالتها بدورها على القضاء الدستوري. الغلوسي عاد ليؤكد أن القرار المذكور يمثل “انتصاراً واضحاً للدستور”، وبيّن أن التعليل الذي استندت إليه المحكمة في رفض بعض مواد المسطرة المدنية ينطبق بشكل جلي على المادتين 3 و7 من مشروع المسطرة الجنائية. وطرح الغلوسي سؤالاً مباشراً حول ما إذا كانت هذه الخطوة ستتخذ أم أن “النهج السلطوي والانحراف التشريعي سينتصران على روح وجوهر الدستور”.
في السياق نفسه، اعتبرت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء التامني عن “فدرالية اليسار الديمقراطي” أن رفض المحكمة الدستورية لعدد من مقتضيات المسطرة المدنية يشكل “صفعة قوية لحكومة عاجزة عن احترام الدستور”. وانتقدت في تدوينة لها “المنهجية الحكومية التي تقوم على التسرع والإقصاء وتغليب المصالح السياسية على ضمانات المواطنين”. وشددت على أن المطلوب اليوم ليس مجرد ترقيع بعض النصوص، بل إطلاق نقاش وطني واسع لإصلاح منظومة العدالة بشكل شامل يضع الحقوق والحريات في صلب أولوياته.
في المقابل، سارعت وزارة العدل إلى الترحيب بقرار المحكمة الدستورية، معتبرة أنه يعكس “حيوية المؤسسات الدستورية ويجسد روح التفاعل الإيجابي بين السلط”. وأكدت الوزارة أنها تحترم بشكل كامل اختصاصات المحكمة واستقلالها، مشيرة إلى أن هذا القرار يشكل قيمة مضافة للعمل التشريعي. الوزير عبد اللطيف وهبي ذهب أبعد من ذلك حين صرح بأن وزارته لا تخشى الرقابة الدستورية بل تراها ضمانة حقيقية لدولة القانون، معتبراً أن أي تشكيك في دور المحكمة الدستورية هو في حد ذاته تشكيك في روح الديمقراطية.
في ظل هذا التجاذب بين الفاعلين الحقوقيين والسياسيين، وبين الحكومة والبرلمان من جهة، والمحكمة الدستورية من جهة ثانية، يظل مصير مشروع قانون المسطرة الجنائية معلقاً على ما إذا كان سيُحال فعلاً على القضاء الدستوري. وبينما يصر الحقوقيون على أن الأمر بات ضرورة دستورية ملحّة، ترى الحكومة أن المشروع ثمرة توافقات موسعة وأن أي ملاحظات دستورية سيتم تداركها في إطار المسار المؤسساتي المعتاد. ومع ذلك، يبقى المؤكد أن النقاش حول استقلال القضاء ومكافحة الفساد وضمان المساواة أمام القانون عاد بقوة إلى الواجهة، في مشهد سياسي وقانوني يكشف حجم التحديات التي تواجه بناء دولة القانون بالمغرب.









































