تتجه مجموعة «كوك» الأمريكية (Koch Ag & Energy Solutions)، إحدى الشركات الكبرى العاملة في قطاع الأسمدة والطاقة، إلى تعزيز استثماراتها بالمغرب، من خلال مشروع الاستحواذ على 50 في المائة من رأسمال شركة «Jorf Fertilizers Company I»، التابعة لمنظومة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة للفوسفاط المغربي في سلاسل الإمداد العالمية وصناعة الأسمدة.
وتأتي هذه العملية في إطار توسيع الشراكة الاستراتيجية القائمة بين المجموعة الأمريكية و«OCP Nutricrops»، التابعة للمكتب الشريف للفوسفاط، بهدف تعزيز القدرات الإنتاجية وتطوير التعاون الصناعي والتجاري بين الطرفين.
مجلس المنافسة يدرس مشروع الاستحواذ
وفي هذا السياق، أعلن مجلس المنافسة المغربي، بتاريخ 8 أكتوبر 2026، توصله بإشعار يتعلق بمشروع تركيز اقتصادي يهم اقتناء شركة «KAES Phosphate Holdings LLC»، التابعة للمجموعة الأمريكية، حصة تبلغ 50 في المائة من رأسمال وحقوق التصويت بشركة «Jorf Fertilizers Company I».
وتندرج هذه الخطوة ضمن الإجراءات التنظيمية المعمول بها في المغرب، حيث تخضع عمليات التركيز الاقتصادي لدراسة مجلس المنافسة، من أجل تقييم انعكاساتها المحتملة على المنافسة داخل السوق.
ولا يعني الإعلان عن المشروع إتمام عملية الاستحواذ بشكل نهائي، إذ يظل تنفيذ الصفقة مرتبطاً باستكمال الإجراءات القانونية والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة.
طاقة إنتاجية تصل إلى 2.5 مليون طن سنوياً
ومن المرتقب أن تساهم العملية في رفع الطاقة الإنتاجية الإجمالية للمشروعين المشتركين بين الطرفين إلى حوالي 2.5 مليون طن من الأسمدة سنوياً، بما يعزز قدرتهما على تلبية الطلب المتزايد في الأسواق الدولية.
ويُعد المركب الصناعي للجرف الأصفر، الواقع بإقليم الجديدة، أحد أبرز الأقطاب العالمية المتخصصة في تحويل الفوسفاط وإنتاج الأسمدة، حيث يشكل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الصناعية والتصديرية للمكتب الشريف للفوسفاط.
كما يُنتظر أن تتيح الشراكة الجديدة فرصاً إضافية لتطوير الإنتاج وتعزيز التكامل بين الخبرة الصناعية المغربية وشبكات التوزيع والتسويق الدولية التي تتوفر عليها المجموعة الأمريكية.
المغرب في قلب معادلة الأمن الغذائي العالمي
وتكتسي هذه الصفقة أهمية استراتيجية بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المغرب في السوق العالمية للفوسفاط، إذ تشير التقديرات الجيولوجية الدولية إلى أن المملكة تتوفر على نحو 70 في المائة من الاحتياطيات العالمية لهذه المادة الحيوية.
ويشكل الفوسفاط مكوناً أساسياً في إنتاج الأسمدة الفوسفاطية، التي تؤدي دوراً محورياً في تحسين الإنتاجية الزراعية وضمان استدامة المحاصيل، ما يجعل تأمين إمداداته قضية مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي العالمي.
وفي ظل التحديات التي تواجه سلاسل التوريد الدولية، والتقلبات الجيوسياسية والاقتصادية، تتزايد أهمية الشراكات الصناعية الرامية إلى ضمان استقرار إنتاج الأسمدة وتوزيعها.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى توسيع التعاون بين المكتب الشريف للفوسفاط والمجموعة الأمريكية باعتباره مؤشراً على تنامي الأهمية الاستراتيجية للمغرب بالنسبة إلى الفاعلين الدوليين في القطاع الزراعي.
هل يتحول الفوسفاط المغربي إلى ركيزة للأمن الغذائي الأمريكي؟
وتثير هذه الخطوة تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الفوسفاط المغربي في تعزيز الأمن الغذائي للولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن الأسمدة تعد من المدخلات الأساسية للإنتاج الزراعي، وأن استقرار إمداداتها يمثل عاملاً مهماً بالنسبة إلى الاقتصادات الفلاحية الكبرى.
كما أن انخراط مجموعة أمريكية بهذا الحجم في استثمارات صناعية مشتركة بالمغرب يعكس اهتمام الشركات الدولية بتأمين مصادر إنتاج موثوقة وتنويع سلاسل التوريد.
غير أن اعتبار الفوسفاط المغربي ركيزة مباشرة للأمن الغذائي الأمريكي يظل قراءة اقتصادية محتملة، تتوقف على حجم الإمدادات الموجهة إلى السوق الأمريكية وطبيعة الاتفاقيات التجارية والاستثمارية المستقبلية.
وفي المقابل، تبرز هذه الشراكة قدرة المغرب على استقطاب استثمارات دولية في الصناعات المرتبطة بالفوسفاط، والانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تطوير منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وبينما تنتظر عملية الاستحواذ استكمال مسارها التنظيمي، تؤكد التطورات الأخيرة أن الفوسفاط المغربي لم يعد مجرد ثروة معدنية، بل أصبح عنصراً استراتيجياً في معادلات الصناعة والزراعة والأمن الغذائي على المستوى الدولي.







