مع نهاية دور ثمن النهائي من كأس إفريقيا للأمم – المغرب 2025، تبدو الصورة أوضح من أي وقت مضى: البطولة دخلت مرحلة الجد، حيث تقل المساحات، وتختفي المباريات السهلة، وتفرض التفاصيل الصغيرة كلمتها على مصير الكبار قبل الصغار. ما شهدناه في هذا الدور لم يكن استعراضًا تقنيًا بقدر ما كان اختبارًا حقيقيًا للنضج التكتيكي والذهني للمنتخبات الطامحة إلى اللقب.
المنتخبات الكبرى، من المغرب إلى السنغال ونيجيريا وكوت ديفوار ومصر، لم تنتصر جميعها بالطريقة نفسها، لكنها اشتركت في قاسم واحد وهو الواقعية. فالمنتخب المغربي، مثلًا، أدرك منذ البداية أن ضغط الأرض والجمهور قد يتحول من حافز إلى عبء، فاختار اللعب بعقل بارد، مكتفيًا بالحد الأدنى الذي يضمن العبور.
انتصار “اقتصادي” أمام تنزانيا، لكنه يعكس وعيًا متقدمًا بطبيعة الأدوار الإقصائية، حيث لا قيمة للأداء الجميل إن لم يقترن بالنتيجة.
السنغال ونيجيريا قدمتا نموذجين مختلفين للخبرة. الأولى عرفت كيف تمتص حماس السودان قبل أن تضرب في اللحظة المناسبة، بينما بعثت نيجيريا برسالة واضحة مفادها أن قوتها الهجومية ليست للاستهلاك الإعلامي فقط، بل سلاحًا حاسمًا حين تتوفر المساحات والتركيز. أما كوت ديفوار، فقد أكدت أن التوازن بين الدفاع والهجوم لا يزال العملة الأكثر رواجًا في البطولات الكبرى.
في المقابل، أعادت منتخبات مثل مالي والجزائر ومصر طرح سؤال قديم متجدد: هل الفوز المستحق هو دائمًا الفوز المقنع؟ مالي، التي بلغت ربع النهائي دون انتصار في الوقت القانوني، تقدم درسًا قاسيًا في الإصرار الذهني والقدرة على البقاء في المباراة مهما كانت الظروف. ومصر، كعادتها، تواصل الرهان على ذاكرة البطولات، حيث لا يبدو التاريخ عبئًا بل رصيدًا نفسيًا يُستدعى في لحظات الاختناق.
اللافت في هذه النسخة أن الفوارق تقلصت بشكل ملحوظ. لم تعد الأسماء وحدها كافية لفرض السيطرة، ولم يعد “الصغير” يدخل المواجهات بعقدة النقص. وهو ما يفسر المعاناة التي واجهها معظم المرشحين، ويجعل من ربع النهائي محطة محفوفة بالمخاطر، خصوصًا في مواجهات مثل المغرب–الكاميرون أو السنغال–مالي، حيث تختلط الحسابات التقنية بالحمولة التاريخية والنفسية.
خلاصة القول، إن كأس إفريقيا 2025 تؤكد مرة أخرى أنها بطولة لا ترحم. الكبار حاضرون، نعم، لكن حضورهم مشروط بالقدرة على التكيف، وضبط الأعصاب، وإدارة التفاصيل. الطريق إلى الكأس لم ولن يكون مفروشًا بالنجومية، بل بالصبر، والواقعية، والقدرة على الفوز حين يكون الفوز هو كل ما يهم.









































