لم يكن التعادل الذي حققه المنتخب المغربي أمام النرويج مجرد نتيجة عابرة في مباراة ودية، بل بدا وكأنه إعلان أولي عن ملامح مشروع كروي جديد يقوده محمد وهبي، الرجل الذي اختار أن يدخل عالم المنتخبات الكبرى بهدوء، بعيدا عن الضجيج، لكن بأفكار واضحة وشخصية بدأت تتشكل تدريجيا داخل المنتخب المغربي.
في كرة القدم الحديثة، لا يمكن الحكم على المدرب فقط من خلال النتائج، بل من خلال “الهوية” التي ينجح في زرعها داخل المجموعة. ومن خلال مواجهة النرويج، بدا واضحا أن وهبي يحاول بناء منتخب منظم، متوازن، وواقعي، دون التخلي عن الجرأة الهجومية التي أصبحت جزءا من شخصية الكرة المغربية في السنوات الأخيرة.
أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية محمد وهبي هو صراحته. الرجل لا يبيع الوهم للجماهير، ولا يختبئ خلف لغة خشبية معتادة في عالم التدريب. بعد المباراة، تحدث بوضوح عن أهمية الاختبار، وعن الحاجة إلى التجريب، وعن وجود نقائص تحتاج إلى تصحيح قبل مواجهة البرازيل في افتتاح مباريات كأس العالم. وهذه الصراحة، في حد ذاتها، مؤشر إيجابي داخل مشروع يحتاج إلى الوضوح أكثر من الشعارات.
وهبي يدرك جيدا أن الإرث الذي تركه المنتخب المغربي بعد مونديال قطر لم يعد يسمح بالعودة إلى الوراء. الجماهير المغربية لم تعد تبحث فقط عن مشاركة مشرفة، بل أصبحت تؤمن بإمكانية منافسة كبار العالم. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمامه لا يتعلق فقط بصناعة النتائج، بل بالحفاظ على “عقلية الانتصار” التي أصبحت تسكن هذا الجيل.
أمام النرويج، ظهر المنتخب المغربي منظما في فترات كثيرة من المباراة، خاصة خلال الشوط الأول. التحرك الجماعي، الضغط المتوسط، سرعة التحول من الدفاع إلى الهجوم، والاعتماد على المهارات الفردية في الثلث الأخير… كلها مؤشرات توحي بأن وهبي لا يريد منتخبا عشوائيا يعتمد فقط على أسماء لامعة، بل فريقا يتحرك كوحدة واحدة.
ورغم التعادل، فإن المباراة كشفت أيضا عن بعض التفاصيل التي لا تزال تحتاج إلى عمل كبير. المنتخب بدا أحيانا متسرعا في الخروج بالكرة تحت الضغط، كما ظهرت بعض المساحات الدفاعية عند التحولات السريعة للنرويجيين، وهي أمور قد تكون مكلفة أمام منتخبات من طينة البرازيل أو الأرجنتين أو فرنسا.
لكن ربما النقطة الأهم في فلسفة محمد وهبي هي اقتناعه بفكرة “المرونة”. فهو لا يبدو مدربا متعصبا لخطة واحدة أو لأسماء محددة، بل يحاول خلق حلول متعددة داخل المجموعة. وهذا ما يفسر كثرة التغييرات التكتيكية خلال المباراة، سواء في الرسم الدفاعي أو في تمركز لاعبي الوسط والهجوم.
كما أن وهبي يمنح انطباعا بأنه يؤمن بالمنافسة داخل المنتخب، وليس بفكرة النجوم الثابتة. وهو أمر صحي للغاية، لأن المنتخبات الكبرى تبنى على الجاهزية والعطاء، لا على الأسماء فقط.
الرهان الحقيقي الآن ليس في مباراة النرويج، بل في ما بعدها. هل يستطيع محمد وهبي الحفاظ على التوازن النفسي للاعبين وسط الضغوط الإعلامية والجماهيرية؟ وهل ينجح في صناعة منتخب قادر على التعامل مع التفاصيل الصغيرة في المباريات الكبرى؟ ثم هل يملك الجرأة الكافية لاتخاذ قرارات صعبة عندما تفرضها مصلحة المجموعة؟
مونديال أمريكا، المكسيك وكندا لن يكون سهلا على الإطلاق. المنتخبات الكبرى أصبحت أكثر قوة، والإيقاع البدني والتكتيكي ارتفع بشكل غير مسبوق. لكن المنتخب المغربي يملك اليوم ما لم يكن يملكه سابقا: جيل محترف، شخصية قوية، وثقة جماعية صنعتها الإنجازات الأخيرة.
وسط كل ذلك، يبدو محمد وهبي وكأنه يحاول بناء شيء مختلف… منتخب لا يعيش على أمجاد الماضي، بل يبحث عن كتابة فصل جديد بهدوء، وبعقلية أكثر نضجا.
وربما هذا بالضبط ما يحتاجه “أسود الأطلس” اليوم: مدرب لا يطارد الأضواء، بل يطارد الفكرة الصحيحة.










































