لا يقتصر وهج كأس أمم إفريقيا لكرة القدم “المغرب 2025” على المستطيل الأخضر، بل يمتد إلى شوارع وساحات المدن التي لم تنل شرف احتضان المباريات، حيث نجح المغرب في تحويل المنافسة القارية إلى احتفال شعبي عابر للحدود الجغرافية، تؤطره مقاربة تجمع بين القرب، والسلامة، والترويج لصورة المملكة كأرض للرياضة والسياحة.
ففي مدن الصويرة والجديدة ووجدة وبني ملال والعيون، التي تبعد مئات الكيلومترات عن ملاعب التباري، تحولت “مناطق المشجعين” التي أحدثها المكتب الوطني المغربي للسياحة، بشراكة مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى مسارح يومية للفرح الجماعي، تستقبل الآلاف من الجماهير من مختلف الأعمار والفئات، في صورة تُجسد عمق ارتباط المغاربة بكرة القدم، بوصفها أكثر من مجرد لعبة، بل رابطاً اجتماعياً وثقافياً موحداً.
ووفق معطيات الجهة المنظمة، شهدت هذه الفضاءات إقبالاً مكثفاً وغير مسبوق، خصوصاً في المدن التي لا تتوفر على تقاليد تنظيم كبريات الأحداث الرياضية، حيث حضرت العائلات إلى جانب الشباب، كما انخرط مشجعون من جنسيات متعددة في تقاسم الأجواء ذاتها، في تأكيد على أن البطولة باتت أيضاً منصة للدبلوماسية الناعمة، ومختبراً حياً لتفاعل الثقافات تحت مظلة الشغف الكروي.
وقد مثّل هذا البرنامج، بحسب مسؤولي السياحة والرياضة، رافعة مزدوجة، رياضية وسياحية، إذ ساهم في تنشيط الفضاءات العمومية، وإبراز المؤهلات الثقافية والجمالية للمدن، وتعزيز الحركة التجارية المحلية، وسط تقديرات بأن قطاعات المطاعم والمقاهي والنقل الحضري والتجارة الصغيرة استفادت بشكل لافت من توافد الجماهير، وهو ما أعاد ضخ الحياة في اقتصاد مدن كانت لسنوات بعيدة عن نبض التظاهرات الكبرى.
كما يأتي هذا الزخم الجماهيري في سياق استعداد المغرب لرفع سقف الطموح التنظيمي قبيل مونديال 2030، حيث تسعى المملكة، عبر هذه المبادرات، إلى توسيع دائرة المشاركة الشعبية، وتكريس نموذج فضاءات مفتوحة، مؤطرة، وآمنة، قادرة على استيعاب الضغط الجماهيري وتوجيهه نحو صورة احتفالية منضبطة تعزز الإشعاع الوطني.
وفي هذا الإطار، شدد المكتب الوطني المغربي للسياحة على أن المبادرة تهدف إلى “تقريب الحدث من المواطنين، وتوسيع رقعة الاحتفال، وتقديم تجربة جماعية تُبرز كرم الضيافة المغربية”، بينما اعتبرت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن المشروع “يدعم الإشعاع الشعبي للبطولة، ويكرس حضورها في وجدان كل المغاربة، حتى في المدن التي لا تحتضن المباريات”.
لكن أهمية هذه الفضاءات لا تُختزل في بعدها الترفيهي وحده، فهي تحمل، وفق مراقبين، رسالة رمزية قوية، مفادها أن المغرب لا يكتفي بتنظيم البطولات، بل يعمل على “دمقرطة الاحتفال” بها، وتحويلها إلى تجربة وطنية جامعة، تُمكن المواطن من معايشة لحظات المنافسة في شروط تليق بحجم الحدث.
ومع اقتراب مباريات الحسم، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تُسفر عنه هذه التعبئة من أثرٍ مستدام، سواء في تعزيز الثقة الجماهيرية بالمنتخب الوطني، أو في ترسيخ نموذج جديد لتدبير الأحداث الرياضية الكبرى، نموذج يقوم على إشراك الجمهور، وتنشيط المدينة، وربح الرهان السياحي، في وقت واحد.
ويبقى الأكيد أن “الكان المغربي” لم يعد محصوراً في الملاعب، بل صار قصة شارع، وذاكرة مدينة، واحتفال وطنٍ كامل، يتنفس كرة القدم بروحٍ واحدة، رغم تعدد الإيقاعات والأمكنة.







































