في وقت أعادت فيه أحداث سبتة الأخيرة التوتر إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، يبرز ملف التعاون الاقتصادي باعتباره أحد أهم عوامل الحفاظ على قنوات التواصل بين البلدين، بالنظر إلى حجم المصالح المشتركة التي تجعل أي أزمة سياسية تتجاوز بعدها الدبلوماسي نحو رهانات اقتصادية واستراتيجية واسعة.
وتحتل إسبانيا موقع الشريك التجاري الأول للمغرب، إذ تتجاوز قيمة المبادلات التجارية بين البلدين 22.5 مليار يورو سنوياً، بينما تنشط أكثر من 350 شركة إسبانية داخل المملكة، ويقارب حجم الاستثمارات الإسبانية المباشرة ملياري يورو، وفق معطيات وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية.
وفي هذا السياق، يعود اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي إلى الواجهة، رغم توقف العمل ببروتوكوله التنفيذي منذ يوليوز 2023. ويعد هذا الملف من أبرز الملفات الاقتصادية العالقة، خاصة أن إسبانيا كانت المستفيد الأوروبي الأكبر منه، بعدما حصل أسطولها على 92 رخصة من أصل 128 رخصة خصصها الاتفاق السابق، أي ما يقارب 72 في المائة من إجمالي التراخيص.
ورغم انتهاء البروتوكول التنفيذي ودخول الاتفاق مرحلة “الخمول”، كشفت وثائق أوروبية حديثة عن توجه داخل مؤسسات الاتحاد لإطلاق مفاوضات جديدة مع المغرب بشأن اتفاق شراكة جديد في مجال الصيد البحري المستدام، عبر تفويض رسمي للمفوضية الأوروبية لقيادة المفاوضات باسم الاتحاد.
ويأتي هذا التحرك في سياق قانوني وسياسي مختلف، بعد قرار محكمة العدل الأوروبية الصادر في أكتوبر 2024، الذي ألغى قرار المجلس الأوروبي المتعلق باتفاق 2019، وهو الحكم الذي أعاد قضية الصحراء إلى صلب النقاش القانوني الأوروبي بشأن الاتفاقيات المبرمة مع المغرب.
لكن المعطيات الجيوسياسية تغيرت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بعدما عزز المغرب موقعه الدبلوماسي في ملف الصحراء، سواء من خلال الاعتراف الأمريكي بسيادته على الإقليم أو عبر تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، ما جعل الرباط أقل ارتباطاً باستخدام اتفاق الصيد كورقة لإثبات مواقف سياسية.
وفي المقابل، اتجه المغرب إلى تنويع شراكاته الدولية في قطاع الصيد، إذ وقع اتفاق تعاون جديد مع روسيا في أكتوبر 2025، كما وسع تعاونه مع شركاء آسيويين، بينهم الصين وكوريا الجنوبية، في إطار استراتيجية تستهدف تنويع الأسواق والشركاء الاقتصاديين.
ورغم أن الاتفاق السابق كان يوفر للمغرب حوالي 208 ملايين يورو على مدى أربع سنوات، إلى جانب دعم مشاريع تنمية قطاع الصيد، فإن هذا العائد المالي لم يعد يمثل العامل الحاسم بالنسبة للرباط، التي تبدو أكثر ميلاً إلى التفاوض وفق شروط جديدة تراعي التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها المنطقة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو حاجة الاتحاد الأوروبي، وإسبانيا بشكل خاص، إلى إعادة تفعيل الاتفاق أكثر إلحاحاً، بالنظر إلى انعكاساته على نشاط الأساطيل الأوروبية، فيما يحتفظ المغرب بهامش أوسع للمناورة، مستفيداً من تعدد شركائه الدوليين وتراجع الحاجة إلى توظيف الاتفاق لتحقيق مكاسب سياسية.
وبين تداعيات أزمة سبتة والمصالح الاقتصادية المتشابكة، يظل اتفاق الصيد البحري أحد أبرز الملفات التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في العلاقات المغربية الإسبانية، حيث سيحدد ميزان المصالح وشروط التفاوض مستقبل هذا التعاون أكثر من أي وقت مضى








































