لم يكن خروج المنتخب الوطني المغربي للسيدات أمام الكاميرون من نصف نهائي كأس أمم إفريقيا 2026 مجرد إقصاء بركلات الترجيح، بل حمل في طياته مؤشرات تستحق التوقف عندها، خصوصاً أن البطولة تقام على الأراضي المغربية، وأن الطريق نحو النهائي كان يبدو، على الورق، أكثر سهولة بعد سقوط عدد من أبرز المنافسين.
المنتخب المغربي دخل المواجهة وهو يحمل ضغط المرشح، بعدما تجاوز جنوب إفريقيا في ربع النهائي، في وقت تكفلت الكاميرون بإقصاء نيجيريا. هذه المعطيات رفعت سقف التوقعات، لكنها في المقابل جعلت هامش الخطأ ضيقاً للغاية، وهو ما ظهر بوضوح عندما عجزت لبؤات الأطلس عن ترجمة السيطرة إلى أهداف.
الاستحواذ لم يكن كافياً
أحد أبرز دروس المباراة أن السيطرة على الكرة لا تعني بالضرورة السيطرة على المباراة. المغرب امتلك فترات طويلة من الاستحواذ، وحصل على عدد من الركنيات والكرات الثابتة، لكنه افتقد إلى الحلول الهجومية التي تمكنه من تحويل هذا التفوق إلى فرص صريحة.
المشكلة لم تكن فقط في الوصول إلى منطقة جزاء الكاميرون، وإنما في كيفية التعامل مع اللحظة الأخيرة. التحركات الهجومية كانت في كثير من الأحيان متوقعة، فيما لم تظهر السرعة المطلوبة في نقل الكرة أو خلق المساحات داخل دفاع الخصم.
وكانت رأسية سناء مسودي التي اصطدمت بالقائم من أبرز الفرص المغربية، قبل أن تتحول المباراة تدريجياً إلى صراع أعصاب، عوض أن تكون مواجهة يفرض فيها المنتخب المغربي إيقاعه الفني.
بيهينا حسمت التفاصيل
في مباريات بهذا الحجم، قد تصنع لحظة واحدة الفارق، وهو ما حدث مع الحارسة الكاميرونية ميشائيلي بيهينا.
تصديها لركلة جزاء فاطمة تاكناوت في الدقيقة 117 لم يكن مجرد إنقاذ عادي، بل كان نقطة تحول حقيقية في المباراة. فقد كانت الركلة تحمل إمكانية إنهاء المواجهة ومنح المغرب بطاقة النهائي قبل الوصول إلى ركلات الترجيح.
لكن بيهينا واصلت تألقها في السلسلة، وتصديها لثلاث ركلات مغربية أكد أن الكاميرون امتلكت الشخصية اللازمة في لحظة الحسم.
في المقابل، كشفت ركلات الترجيح مرة أخرى أن التفاصيل الذهنية والتقنية تصبح حاسمة عندما تعجز المباراة عن إنتاج فائز خلال 120 دقيقة.
فيلدا أمام أسئلة صعبة
بعيداً عن تحميل المدرب خورخي فيلدا مسؤولية الإقصاء بشكل كامل، فإن المباراة تفرض طرح أسئلة حول الخيارات الفنية وطريقة إدارة المواجهة.
المنتخب المغربي كان بحاجة إلى تنويع أكبر في الحلول الهجومية، خصوصاً عندما اتضح أن الاختراق من العمق أصبح صعباً وأن الكاميرون نجحت في إغلاق المساحات. وفي مثل هذه الحالات، تصبح التغييرات والقدرة على إعادة تشكيل طريقة اللعب جزءاً أساسياً من مسؤولية الجهاز الفني.
كما أن امتداد المباراة إلى الأشواط الإضافية دون تسجيل هدف يعكس محدودية الحلول، وليس فقط سوء الحظ. فالركلة الضائعة في الدقيقة 117 كانت مؤلمة، لكنها جاءت بعد أكثر من مئة دقيقة لم يتمكن خلالها المنتخب من حسم المواجهة.
خيبة جيل وفرصة ضائعة
الإقصاء يحمل أيضاً بعداً إنسانياً ورياضياً بالنسبة إلى جيل من اللاعبات اللواتي راكمن سنوات من التجربة، وفي مقدمتهن غزلان الشباك وخديجة الرميشي وابتسام جرايدي وحنان أيت الحاج.
اللعب على أرض المغرب وأمام جماهيره منح المنتخب امتيازاً كبيراً، لكنه في الوقت ذاته وضع اللاعبات تحت ضغط استثنائي. وكان التتويج سيمنح هذا الجيل مكافأة طال انتظارها، غير أن ركلات الترجيح أنهت الحلم بطريقة قاسية.
والأكثر إيلاماً أن الفرصة كانت تبدو مواتية، بعد إقصاء جنوب إفريقيا ونيجيريا، لكن كرة القدم لا تعترف دائماً بالترشيحات ولا بالمسارات المفترضة قبل المباريات.
ماذا بعد الإقصاء؟
الرهان الحقيقي الآن لا ينبغي أن يكون فقط على البحث عن المسؤول عن الخسارة، بل على كيفية تحويلها إلى نقطة مراجعة قبل كأس العالم 2027.
المطلوب هو تقييم شامل للمشروع، من الاختيارات الفنية إلى طريقة بناء الهجمات، مروراً بالنجاعة أمام المرمى والتعامل مع المباريات المغلقة والضغط النفسي في المواعيد الكبرى.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض التفكير في التوازن بين الحفاظ على ركائز الخبرة ومنح مساحة أكبر للاعبات الشابات، حتى لا يجد المنتخب نفسه أمام انتقال مفاجئ بين جيلين.
هزيمة الكاميرون قد تكون مؤلمة، لكنها في الوقت ذاته تكشف بوضوح أن المنتخب المغربي وصل إلى مرحلة لم يعد فيها مجرد منافس صاعد، بل أصبح مطالباً بتحويل الإمكانات والاستثمار الكبير في الكرة النسوية إلى ألقاب.
فالطريق إلى كأس العالم 2027 لن يكون مجرد فرصة لتعويض خيبة إفريقيا، وإنما اختبار حقيقي لقدرة الكرة النسوية المغربية على استخلاص الدروس، وتطوير أسلوبها، والانتقال من مرحلة المنافسة على الألقاب إلى مرحلة الفوز بها.







































