تحولت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مم مجرد لقاءات لتبادل المواقف حول الأغلبية المقبلة، الى إشكال سياسي ورمزي يتعلق بالمكان الذي تُجرى فيه هذه المشاورات. فبينما اختارت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة والمكلفة بتشكيل الحكومة، استقبال عدد من الأحزاب بمقر حزب الأصالة والمعاصرة بالرباط، فضّلت بعض القوى السياسية عدم التوجه إلى هذا المقر، مؤكدة أن تحفظها لا يتعلق بمبدأ الحوار، وإنما بطبيعة المكان.
المفارقة أن حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي حل ثانياً في الانتخابات بـ66 مقعداً، وحزب الاستقلال صاحب 65 مقعداً، إلى جانب الحركة الشعبية وأحزاب أخرى، شاركت في المشاورات داخل مقر «البام». كما استقبل الحزب وفوداً سياسية في إطار المسار الذي بدأ مباشرة بعد تعيين المنصوري لتشكيل الحكومة.
في المقابل، اختار حزب العدالة والتنمية مسافة مختلفة. عبد الإله بنكيران أعلن أنه لن يتوجه إلى مقر الأصالة والمعاصرة للقاء المنصوري، موضحاً أن اعتراضه ليس على اللقاء في حد ذاته، وأنه كان مستعداً للتواصل احتراماً للتعيين الملكي والصفة المؤسساتية لرئيسة الحكومة، وإنما الخلاف يتعلق بمكان انعقاد الاجتماع.
الموقف نفسه تقريباً ظهر لدى تحالف اليسار، الذي أكد أن رفضه لا يعني رفض المشاورات الحكومية، بل رفض عقدها داخل مقر حزب سياسي. وطالب التحالف بأن يتم اللقاء في فضاء مستقل ومحايد، باعتبار أن الأمر يتعلق بمشاورات لتشكيل الحكومة، وليس باجتماع حزبي عادي.
وهنا يبرز السؤال: لماذا أصبح عنوان المشاورات هو «مقر البام»؟ و الجواب يرتبط أولاً بالتركيبة السياسية الجديدة التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر. فقد تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، وأصبح بحكم موقعه الانتخابي في مركز عملية تشكيل الأغلبية، فيما عُينت فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في الحزب، رئيسة للحكومة وكُلفت بتشكيلها.
لكن الجمع بين الصفة الحزبية والصفة الحكومية الجديدة يطرح، بالنسبة إلى بعض الأحزاب، سؤالاً حول الرمزية المؤسساتية للمكان. فحين تجتمع قيادة حزب مع رئيسة الحكومة المكلفة داخل مقر حزبها، يمكن أن يُنظر إلى اللقاء من زاويتين مختلفتين: هل هو لقاء حزبي بين قوى سياسية، أم لقاء مؤسساتي في إطار تشكيل الحكومة؟
هذا هو جوهر التحفظ الذي عبّر عنه الرافضون للذهاب إلى مقر «البام». وهم يميزون، في تصريحاتهم، بين الاعتراف بالصفة المؤسساتية للمنصوري وبين رفض أن يكون مقر حزبها هو الفضاء الذي تجري فيه المشاورات.
أما بنكيران، فقد ربط موقفه أيضاً بالخلاف السياسي المعروف بين حزبه والأصالة والمعاصرة، مع تأكيده أن الأمر ليس خلافاً شخصياً. كما أن العدالة والتنمية حسم، وفق تصريحاته، اختياره لموقع المعارضة، ما يجعل لقاءه في إطار المشاورات أقرب إلى عرض الموقف السياسي من المشاركة في الحكومة منه إلى مفاوضات حول الحقائب.
وبالنسبة إلى تحالف اليسار، فإن المسألة تأخذ بعداً مؤسساتياً أوضح، إذ أعلن اختياره موقع المعارضة داخل البرلمان، وطالب بأن يكون اللقاء في فضاء مستقل عن مقرات الأحزاب، بما ينسجم، حسب موقفه، مع طبيعة المهمة التي تقوم بها رئيسة الحكومة المعينة.
في المقابل، لا يبدو أن جميع الأحزاب ترى في مكان اللقاء مشكلة سياسية. حضور عدد من القيادات الحزبية إلى مقر الأصالة والمعاصرة يؤكد أن الأولوية لدى هذه الأحزاب هي الدخول المباشر في المشاورات والتفاوض حول شكل الأغلبية المقبلة وبرنامجها وتركيبتها. وقد أظهرت اللقاءات الأولى أن الحسابات العددية ستكون عاملاً أساسياً في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
وبذلك، فإن «مقر البام» تحول من مجرد عنوان جغرافي إلى اختبار رمزي لطبيعة المرحلة السياسية الجديدة. فالأحزاب التي ذهبت إليه تعاملت مع المنصوري أساساً بصفتها رئيسة حكومة معينة مكلفة بتشكيل الأغلبية، بينما أرادت أحزاب أخرى الفصل بصرياً ورمزياً بين الحزب الذي تصدر الانتخابات وبين المؤسسة الحكومية التي يجري تشكيلها.
وفي النهاية، قد لا يكون الخلاف حول العنوان أهم من مضمون المشاورات نفسها. فالمعركة السياسية الحقيقية ستدور حول البرنامج الحكومي، وحجم الأغلبية، وتوزيع المسؤوليات، وموقع الأحزاب التي ستختار المشاركة وتلك التي ستتجه إلى المعارضة. أما الجدل حول مكان اللقاء، فقد كشف مبكراً أن تشكيل الحكومة الجديدة لن يكون مجرد عملية حسابية لجمع المقاعد، بل أيضاً عملية تفاوض حول صورة المرحلة السياسية المقبلة وحدود الفصل بين العمل الحزبي والعمل الحكومي.يمكنني أيضاً .








