حسن حمورو
التعيين الملكي للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة حدث يستدعي التوقف عنده، ليس لأنها أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة، ولكن كذلك لما يحمله هذا القرار من رسائل دستورية وسياسية تتجاوز الأشخاص والأحزاب، إلى منطق بناء المؤسسات وترسيخ الأعراف الديمقراطية.
أولى هذه الرسائل تتعلق بالتأكيد المتجدد على احترام مقتضيات الفصل 47 من الدستور، الذي ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، فمنذ يوليوز 2011، راكم المغرب تجربة سياسية ودستورية مهمة في هذا الباب، بدأت بتعيين عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المتصدر لانتخابات 25 نونبر 2011، ثم إعادة تعيينه بعد انتخابات 7 أكتوبر 2016، قبل أن يتم تعيين سعد الدين العثماني من الحزب نفسه بعد تعثر مشاورات تشكيل الأغلبية، وصولا إلى تعيين عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار حينها بعد تصدر حزبه لانتخابات 8 شتنبر 2021، ثم فاطمة الزهراء المنصوري بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة لانتخابات شتنبر 2026.
هذا المسار يؤكد أن الممارسة الدستورية المغربية أصبحت أكثر رسوخا في احترام نتائج صناديق الاقتراع، والانطلاق منها في تشكيل السلطة التنفيذية.
لقد شهدت الأيام الفاصلة بين إعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر، والتعيين الرسمي سيلا من التأويلات والتوقعات والسيناريوهات التي ذهبت بعيدا في الحديث عن أسماء بديلة وترتيبات محتملة خارج القراءة المباشرة للنتائج السياسية التي أفرزتها الانتخابات، غير أن القرار الملكي جاء ليضع حدا لهذا الضجيج، ويؤكد مرة أخرى أن المؤسسات أقوى من التكهنات، وأن احترام المنهجية الدستورية يظل الإطار الحاكم لتدبير هذه اللحظات السياسية مهما بلغت حساسيتها.
أما الرسالة الثانية، فلا تقل أهمية عن الأولى، وتتعلق بمكانة المرأة المغربية في الحياة العامة، ذلك أن تعيين امرأة على رأس الحكومة، ليس مجرد حدث رمزي أو خطوة معزولة، بل هو حلقة جديدة في مسار طويل من التمكين السياسي والمؤسساتي للمرأة المغربية، والأهم من ذلك أن هذا التقدم يجري في المغرب بصورة طبيعية ومتدرجة، بعيدا عن منطق الصدام الإيديولوجي أو الشعارات الفارغة، أو عقد النقص التي تجعل بعض المجتمعات تنظر إلى حضور المرأة في مواقع القرار باعتباره استثناءا يحتاج إلى تبرير.
لقد جاء تعيين المنصوري في سياق دستوري وسياسي عادي، وهو في حد ذاته مؤشر على أن المجتمع والدولة معا قطعا أشواطا مهمة في التعامل مع مكانة المرأة وموقعها السياسي والحزبي باعتبارهما معيارا سياسيا مشروعا لتولي المسؤولية.
ولعل من أهم ما ينبغي الانتباه إليه اليوم، أن هذه المكاسب لا تخص حزبا بعينه ولا حكومة بعينها، بل تهم صورة المغرب ومكانته ورصيده الإصلاحي، فالدول لا تصنع رصيدها فقط بما تعيشه من اختلافات وصراعات سياسية داخلية، بل أيضا بقدرتها على إنتاج لحظات توافق وطني حول ما يمثل نقاط قوة في تجربتها السياسية والدستورية.
ومن هنا تبدو مسؤولية النخب السياسية والإعلامية والثقافية مضاعفة، فمن حق الجميع أن يختلفوا مع الحكومة المقبلة، وأن ينتقدوا اختياراتها وبرامجها وتوجهاتها، ومن واجب المعارضة أن تمارس أدوارها كاملة في الرقابة والمحاسبة، لكن من واجب الجميع أيضا إبراز ما تحمله بعض المحطات الوطنية من دلالات إيجابية، وتسويقها باعتبارها جزءا من الصورة الحقيقية للمغرب الذي يواصل تطوير مؤسساته وتحديث ممارساته السياسية.
فالاستقلالية في التعبير عن المواقف لا تتعارض مع الإنصاف، والنقد لا يتناقض مع الاعتراف بالمكتسبات الوطنية، والمعارضة لا تعني تجاهل ما تحقق من تقدم، بل إن النضج السياسي يقتضي القدرة على الجمع بين الدفاع عن المواقف الخاصة والحرص على المصلحة الوطنية العامة.
غير أن أهمية تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لا ينبغي أن تُختزل في كونه سابقة مرتبطة بوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، لان المحطات التاريخية في السياسة لا تصنعها او تبصم عليها الرمزية وحدها، وإنما تصنعها السياسات والقرارات والنتائج الملموسة.
ذلك أن المغاربة لن يحكموا على هذه التجربة الحكومية من زاوية جنس رئيسة الحكومة، بقدر ما سيحكمون عليها من خلال قدرتها على تحسين أوضاعهم المعيشية، وتطوير جودة الخدمات العمومية، ومحاربة الفساد والريع، والاهتمام بالفئات الهشة، وترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة، كما أن هناك تحديات أخرى ستواجه الحكومة المقبلة ورئيستها، منها تبديد كل الشكوك المرتبطة بظاهرة الجمع بين السلطة والثروة وتضارب المصالح، وهي قضايا ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة، وفي هذا السياق، فإن الرهان الحقيقي ليس في كسر حاجز رمزي جديد فحسب، بل في بناء نموذج حكومي يعزز الثقة في المؤسسات ويؤكد أن الوصول إلى السلطة يظل وسيلة لخدمة الصالح العام، لا مدخلا لتوسيع دوائر الامتيازات، ومعيار نجاح أي تجربة حكومية يتعلق بما تحققه من أثر في حياة المواطنين، وبقدرتها على إقناع الرأي العام بأن النزاهة والاستقامة في تدبير الشأن العام ليست مجرد شعارات سياسية، بل ممارسة يومية تترجمها القرارات والسياسات والنتائج، وفي هذا الجانب بالتحديد سيطرح تحدي خاص على المنصوري، حتى لا يصدق عليها المثل القائل بأن فاقد الشيء لا يعطيه، وذلك بسبب الاتهامات التي توجه لحزبها، ولعدد من مسؤوليه ومنتخبيه.
في النهاية، قد تختلف التقديرات بشأن الحكومة المقبلة، وقد تتباين المواقف من الحزب الذي سيقودها أو من السياسات التي ستعتمدها، لكن ما يصعب تجاهله هو أن المغرب قدم مرة أخرى درسا في استمرارية المؤسسات واحترام قواعد اللعبة الدستورية، وفي زمن أصبحت فيه كثير من الديمقراطيات أسيرة الشعبوية والارتباك والانقسام، فإن المحافظة على هذا الخيط الرفيع بين الشرعية الانتخابية والاستقرار المؤسساتي تظل إحدى أهم الرسائل التي حملها تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة.






