– بقلم فؤاد بوجبير، باحث في علوم التدبير (متخصص في التدبير العمومي والسياسات العمومية)
*- مقدمة : من الوعد العقلاني إلى القلق الديمقراطي*
لقد استندت الدول الحديثة طويلًا في شرعيتها إلى معادلة واضحة نسبيًا بين التمثيل السياسي والعمل العمومي. فالاقتراع يُفرز الحكّام، والحكّام يوجّهون الإدارة، والإدارة تنفّذ. غير أنّ هذه البنية تبدو اليوم، في العديد من الأنظمة المعاصرة، وخصوصًا في الدول ذات المركزية المؤسسية القوية، وكأنها تعرف تحوّلًا تدريجيًا في توازناتها.
برزت شخصية جديدة في قلب السلطة: موظف الدولة السامي الذي أصبح فاعلًا محوريًا، خبيرًا، مدبّرًا، استراتيجيًا، غالبًا من دون تفويض انتخابي مباشر، لكنه يمتلك قدرة حاسمة على التوجيه واتخاذ القرار والتأثير. هذا التحوّل يطمس الحدود بين الحياد التكنوقراطي وممارسة السلطة السياسية الفعلية، ويُضعف، ولو دون قصد، آليات المساءلة التقليدية.
وهنا يبرز سؤال جوهري : من يحكم فعليًا حين تحلّ الخبرة محلّ التمثيل؟
للإجابة عن هذا السؤال، يقترح هذا المقال مقاربة تحليلية تجمع بين البعد التاريخي والسوسيولوجي والسياسي، مستحضرًا إسهامات ماكس فيبر، بيير بورديو، أنطونيو غرامشي، ميشيل فوكو وألكسيس دو توكفيل، مع إسقاطها على المسار الخاص بالحالة المغربية.
*أولًا : النشأة التاريخية للتكنوقراطية / من الإدارة إلى السلطة*
اعتبر ماكس فيبر البيروقراطية الحديثة تقدمًا عقلانيًا، تقوم على الكفاءة، والتدرج الهرمي، والقاعدة المكتوبة، والحياد الشخصي، بما يتيح الخروج من منطق الزبونية والسلطوية التقليدية. غير أنه حذّر في الوقت نفسه من أن تتحوّل هذه العقلنة إلى “قفص حديدي”، تذوب فيه الغايات السياسية داخل الوسائل التقنية.
في المغرب بعد الاستقلال، تجسّدت هذه الرؤية في بناء دولة إدارية قوية، أُنيط بها تحديث المجتمع وضمان الاستقرار وإدارة مجتمع متعدّد البُنى. فظهرت التكنوقراطية آنذاك كضرورة تاريخية.
وقد أنتج التاريخ السياسي المغربي تراتبية واضحة : السياسي يخضع لمنطق استقرار الدولة، واستقرار الدولة تضمنه نخب إدارية وفية،
والديمقراطية تُفهم كمسار تدريجي غير صِدامي.
في هذا السياق، لم تقتصر التكنوقراطية على التنفيذ، بل أصبحت منتِجة للسياسات، وأحيانًا للرؤى نفسها.
*- ثانيًا : سوسيولوجيا السلطة / حين تتحوّل الخبرة إلى رأسمال سياسي*
يرى بيير بورديو أن الإدارة تحتكر الرأسمال الرمزي المشروع. فالموظفون السامون والخبراء والمسؤولون العموميون يراكمون رأسمالًا بيروقراطيًا يمكّنهم من التحدث باسم المصلحة العامة دون المرور عبر الامتحان الانتخابي.
في المغرب، يتعزز هذا الرأسمال بفعل ندرة الكفاءات الاستراتيجية،
و عامل المركزية في اتخاذ القرار، والتقدير الاجتماعي للخبير أكثر من المناضل.
وهكذا يصبح التكنوقراطي فاعلًا سياسيًا موضوعيًا، حتى وإن قدّم نفسه بوصفه محايدًا.
بل إن بعض الأحزاب السياسية لم تعد فضاءات للتنشئة الإيديولوجية، بل تحوّلت إلى منظومات ملائمة لاستقبال ملفات إدارية، أشبه ببيئات سياسية حاضنة، يمكن للخبير أن يندمج فيها دون أن يتحوّل إلى مناضل.
هذه التحوّلات ليست عرضية، بل تعبّر عن نزعٍ إرادي للطابع السياسي عن السياسة، حيث تحلّ الكفاءة محلّ النقاش، وتُستبدل الصراعات الديمقراطية بمنطق الأداء.
*- ثالثًا : غرامشي والهيمنة دون صناديق اقتراع.*
بالنسبة لأنطونيو غرامشي، تقوم السلطة السياسية المستدامة على الهيمنة، أي القدرة على جعل رؤية معينة للعالم تبدو طبيعية وبديهية.
التكنوقراطية المعاصرة تعمل بهذا المنطق : فهي لا تُكره، بل تُقنع؛ لا تُعبّئ، بل تُطمئن.
في المغرب، يجسد الخبير صورة العقلانية والحداثة واستمرارية الدولة. وتصبح السياسة مسألة تدبير، لا خيارًا مجتمعيًا.
وهكذا يُنقل الصراع السياسي، وهو جوهر كل ديمقراطية حيّة، إلى فضاءات تقنية مغلقة : مجالس مغلقة، وكالات، لجان و هيئات، بعيدًا عن الرقابة المجتمعية.
*رابعًا : ميشيل فوكو / الحكم السياسي دون أن يظهر كحكم سياسي حقيقي*
بيّن ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لم تعد متمركزة، بل أصبحت شبكية ومنتشرة عبر المعايير والمؤشرات والأجهزة التنظيمية. التكنوقراطي المغربي لا يأمر، بل يوجّه ويؤطر ويستبق. يصبح النفوذ التدبيري أكثر فعالية كلما ازداد خفاءً.
فمن يتحمّل مسؤولية سياسة عمومية حين تُبرّر بكونها : خبرة تقنية؟
ضرورة مالية؟
أو التزامًا بمعيار دولي تذوب سلسلة المسؤولية، وتغدو المعارضة ضبابية، بل أحيانًا غير مشروعة.
*- خامسًا : توكفيل وخطر الاستبداد الناعم*
حذّر ألكسيس دو توكفيل من قيام سلطة وصائية، لطيفة وعقلانية وخيّرة، لكنها تُقصي المواطنين عن اتخاذ القرار.
هذا “الاستبداد الناعم” يجد اليوم تجسيده في التكنوقراطية، فهي تحمي وتخطّط وتُحسّن الأداء، لكنها تُقصي المواطنين من الفعل السياسي.
*- سادسًا : الحالة المغربية / الفعالية في مقابل التمثيل*
في المغرب، أنتجت التكنوقراطية نتائج ملموسة : بنى تحتية مهيكلة، مشاريع قطاعية كبرى، استقرارًا اقتصاديا نسبيًا، وجاذبية دولية. وأسهمت في ترسيخ صورة دولة استراتيجية قادرة على التخطيط والتنفيذ.
غير أن لهذه الفعالية ثمنًا سياسيًا. فقد تزامنت مع إضعاف تدريجي للأحزاب السياسية، التي لم تتحول إلى مختبرات أفكار حقيقية، ولا إلى مدارس لتكوين النخب أو فضاءات للارتقاء القائم على الاستحقاق.
كثير من البنيات الحزبية تعمل وفق إعادة إنتاج النخب نفسها، شبكات الولاء الشخصي، روابط عائلية أو مرتبطة بالأعيان، وأحيانًا منطق قبلي أو محلي.
وغالبًا ما تُهمّش الكفاءة والنضال الفكري والعمل الميداني لصالح القرب العلاقي أو المنفعة الانتخابية الآنية.
هذا الوضع يُبعد الكفاءات الجامعية والأطر والخبراء المستقلين، الذين يفضّلون الاندماج في الإدارة أو الوكالات العمومية، حيث الاعتراف يرتبط أكثر بالكفاءة من الانتماء الشبكي. كما يُنفّر فئات واسعة من الشباب.
حين تعجز الأحزاب عن إنتاج نخب سياسية قوية، يتجه الدولة نحو من يملكون المعرفة التقنية : التكنوقراطيين. فتصبح التكنوقراطية عرضًا لخلل تمثيلي، بحيث تشغل الفراغ الذي تركته الأحزاب السياسية.
*- الخاتمة : الحكم دون تفويض / حداثة تحتاج إلى استكمال.*
حين تحلّ الخبرة محلّ التمثيل، لا يتراجع المنتخبون فحسب، بل تتغير طبيعة السياسة ذاتها. تصبح تقنية، عمودية، توافقية، لكنها أيضًا أقل خضوعًا للمساءلة.
في المغرب، هذه الوضعية ليست طارئة، بل هي نتاج تاريخ خاص وعلاقة مميزة بالدولة، واختيار ضمني يقدّم الاستقرار على الصراع.
المسألة إذن ليست في رفض الخبرة، بل في إعادة تسييسها. فبدون تمثيل، تحكم الخبرة وحدها. وحين تحكم وحدها، لا أحد يحكم حقًا باسم الشعب.
وفي النهاية، إذا كانت التكنوقراطية قد تعززت، فليس بسبب فائض كفاءة الدولة، بل بسبب قصور في مسؤولية الأحزاب. فعندما تتخلى الأحزاب عن دورها في تنظيم النقاش العام وصياغة المعنى ومواجهة المشاريع، فإنها تجعل من حكم الخبراء أمرًا حتميًا.
فالخلل ليس تكنوقراطيًا بقدر ما هو حزبي.










































