عادت قضية الضريبة على الثروة إلى واجهة الجدل الاقتصادي والاجتماعي في المغرب، في خضم النقاش الواسع حول مشروع قانون المالية لسنة 2026، حيث يشعل موضوع الخلاف بين من يعتبره خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، ومن يرى فيه تهديدًا مباشرًا للنمو الاقتصادي واستقرار الاستثمارات و الحكومة، من خلال وزارة الاقتصاد والمالية، اختارت هذه المرة موقف الحذر، معتبرة أن فرض ضريبة على الثروة يتطلب دراسات معمقة وشاملة تحدد بدقة الفئات المستهدفة، والعناصر التي ستخضع للضريبة، وآليات التقييم وأسعار الفرض، مع دراسة انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية قبل اتخاذ أي قرار نهائي.
و الحديث عن ضريبة على الثروة ليس جديدًا في الساحة الوطنية. فهو مطلب يعود إلى سنوات طويلة، طرحه خبراء الاقتصاد وجمعيات المجتمع المدني كوسيلة لإرساء توازن جبائي أكثر عدلاً.
المؤيدون يرون فيها رافعة لإعادة توزيع الثروات والحد من الفوارق الطبقية المتزايدة، معتبرين أن مساهمة الفئات الثرية في تمويل السياسات العمومية أمر ضروري لتحقيق العدالة الاجتماعية.
في المقابل، يحذر المعارضون من تداعياتها الاقتصادية، معتبرين أنها قد تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع الاستثمارات، خاصة في ظل التنافسية الإقليمية لجذب المستثمرين، كما قد تدفع بعض الأثرياء إلى تغيير إقامتهم الضريبية نحو دول أخرى أقل كلفة، ما قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني وفرص الشغل.
و تقر الحكومة بأن إقرار هذه الضريبة يواجه إشكالات تقنية وتنظيمية معقدة، أبرزها صعوبة تحديد وتقييم الممتلكات الخاضعة لها، سواء كانت عقارات، أو منقولات، أو حقوقًا عينية، أو قيمًا مالية، أو تحفًا فنية ومجوهرات وتبرز كذلك صعوبة التوفيق بين قيمة الضريبة وقدرة الملزمين على الأداء، خاصة أن العديد من الأصول لا تدرّ دخلاً فعليًا، ما يجعل الأداء عبئًا حقيقيًا على أصحابها.
وتشير الحكومة إلى أن هذا النوع من الضرائب قد يفتح المجال أمام ممارسات التهرب والتحايل، من خلال نقل الأصول إلى شركات أو واجهات قانونية أخرى يصعب مراقبتها ومتابعتها، وهو ما يفرض الحاجة إلى نظام رقابي متين وأجهزة مالية متخصصة قادرة على تتبع الثروات والتحركات المالية.
و تؤكد الحكومة أن القانون الإطار للإصلاح الجبائي، الذي يشكل مرجع السياسة الضريبية للدولة، لا يتضمن أي مقتضى خاص بفرض ضريبة على الثروة وقد ركّز هذا القانون على إصلاحات هيكلية، من أبرزها التطبيق التدريجي للضريبة على الدخل الإجمالي للأشخاص الذاتيين، باعتبارها آلية بديلة لتحقيق العدالة الجبائية دون المساس بالاستقرار المالي للمستثمرين.
هذه الخطوة ستُمكّن من فرض الضريبة على مجموع الدخول المتراكمة، وفق الأسعار الهامشية المحددة حاليًا، بما يعزز مساهمة الفئات الميسورة في تمويل ميزانية الدولة.
إلى جانب هذا التوجه، واصلت الحكومة خلال السنوات الأخيرة تعزيز آليات المراقبة ومحاربة التهرب الضريبي فقد تم إقرار إجراءات جديدة تسمح بفحص شامل للوضعية الجبائية للأشخاص الذاتيين ومقارنتها مع نفقاتهم وأصولهم المالية. كما تم توسيع نطاق الضريبة ليشمل دخولاً جديدة كانت خارج المراقبة، مثل مكاسب ألعاب الحظ أو الأرباح الناتجة عن معاملات غير مصنفة، في إطار السعي لتكريس مبدأ المساواة أمام الضريبة و هذه الخطوات تعكس، وفق التوجه الحكومي، رغبة واضحة في ضمان تحمل الجميع لنصيبه من التكاليف العمومية، بما يتوافق مع مبدأ العدالة المنصوص عليه في الدستور، دون اللجوء إلى فرض ضرائب جديدة قد تؤثر على المناخ الاستثماري.
و رغم أن فكرة الضريبة على الثروة تكتسي بعدًا أخلاقيًا واجتماعيًا قويًا، إلا أن واقع الاقتصاد المغربي يجعل تطبيقها مسألة معقدة فالبنية الاقتصادية ما تزال تعتمد على قطاعات غير مهيكلة، وتفاوتات في الدخل والملكية، مما يجعل من الصعب وضع معايير دقيقة لتقييم الثروة بشكل منصف وشامل.
من جهة أخرى، فإن المغرب يعمل على تحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية، ما يجعل أي خطوة غير مدروسة في المجال الجبائي قد تحمل رسائل سلبية للأسواق، وتؤثر على الثقة الاقتصادية.
و ترى الحكومة، أن تحقيق العدالة الجبائية لا يستوجب بالضرورة فرض ضريبة على الثروة في الوقت الراهن، بل يمكن بلوغ الأهداف ذاتها عبر إصلاح النظام الضريبي القائم، وتوسيع الوعاء الجبائي، ومحاربة التهرب والغش الضريبي، وتوجيه الدعم العمومي بشكل أكثر استهدافًا للفئات المستحقة.
وتؤكد أن أي خطوة نحو فرض ضريبة من هذا النوع يجب أن تكون مبنية على دراسات معمقة تشمل الأبعاد المالية والاجتماعية والقانونية، لضمان التوازن بين العدالة والفعالية الاقتصادية و بين مؤيد يطالب بعدالة ضريبية حقيقية تضمن مساهمة الأغنياء في بناء الوطن، ومعارض يخشى على تنافسية الاقتصاد واستقرار الاستثمار، يبقى ملف ضريبة الثروة أحد أكثر المواضيع حساسية في السياسات المالية بالمغرب و الحكومة اختارت طريق التريّث، مفضلة التحليل والدراسة قبل القرار، في محاولة لإيجاد معادلة دقيقة تجمع بين عدالة التوزيع وجاذبية الاقتصاد الوطني.







































