إذا كانت المناسبة، فإن افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، كان مناسبة لتذكير البرلمانيين بواجبهم من قبل جلالة الملك محمد السادس، باعتبار أن الانتداب البرلماني هو التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربط البرلماني بالمواطنين.
جلالة الملك، الذي افتتح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة، وضع اطارا عاما للعمل المؤسساتي في القابل من الايام، حيث تأتي هذه الولاية في ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات. وإننا ننتظر أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
فالمغرب يعيش في ظل تحولات سياسية مهمة يمكن استثمارها من أجل مغرب مغاير ومختلف، ولهذا حدد جلالته انتظاراته من الولاية التشريعية ومن الحكومة الجديدة، التي تشكل منعطفا حاسما ينبغي استثماره لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.
وبما أن التطورات السياسية قد تحمل تطورات معينة، قد يتم فهمها في غير محلها!، جدد جلالته الاعتزاز بالهوية الدينية وهو نفسه اعتزاز المغاربة، في ظل إمارة المؤمنين، ونفس الاعتزاز يشمل الهوية الحضارية الغنية بروافدها، والتي شخصتها المقدمة الوافية للدستور.
واذا كان من حق المغاربة الاعتزاز بما تحقق من مكاسب ديبلومسية ومن إنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية، فإن ذلك ينبغي أن يكون حافزا يحول الانتماء إلى الوطن إلى مسؤولية.
جلالة الملك محمد السادس، الذي يعي التحولات الكبرى، دعا إلى تطوير قدرات المغرب في مجال الاحتياطات الإستراتيجية وتأمين توريد المواد الاولية، وقال جلالته”إضافة إلىة تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية، يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي”.
ولا يمكن لأي استراتيجية ان تنجح دون العناية بالشباب وجعل قضاياهم في الصدارة، وفي هذا الصدد أكد جلالته على جعل الشباب في صلب السياسات العمومية، ووضع التصور الذي يضمن تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن، ولا يتم ذلك إلا بتوفير تعليم جيد والتأهيل والادماج الاقتصادي، وأكثر من ذلك تعزيز ثقة الشباب في فرص الشغل.
ومن غير المجدي الحديث عن تكافؤ الفرص دون الحديث عن العدالة المجالية، ومعرفة المشاكل الحقيقية للمجتمع ومواجهة الاختلالات التي تعرقل النهوض بالتنمية المندمجة، وهذا يتطلب التعاقد بين الدولة والجهات. وفي هذا السياق قال جلالته ” غير أن التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللا تمركز الإداري، تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين”.
المغرب، الذي يواجه تحديات داخلية يستوعب بقوة التحديات الخارجية، يقول جلالة الملك “لقد تمكنت المملكة من ترسيخ مكانتها، على الصعيد الدولي، كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل.
وقد أسفرت المقاربة المتوازنة، التي اعتمدتها بلادنا في تدبير ظاهرة الهجرة، عن نتائج ملموسة.
لكن، يجب أن نعترف، بكل شجاعة وموضوعية، بأن النموذج الحالي للتعاون، في هذا المجال أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك.
ونفس الأمر ينطبق على جارتنا إسبانيا، حيث عرفت شراكتنا تطورات مهمة، في مختلف المجالات، بما في ذلك محاربة الهجرة غير الشرعية.
غير أن هذا التعاون يواجه اليوم، تحديات كبيرة، مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، التي تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية.
وأمام التصريحات اللامسؤولة، والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية، نقول بأن الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
وفي هذا الإطار، سيقدم المغرب لشركائه، وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية، واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي”.
فالمغرب الذي يكافح من أجل نموذج يرتقي داخليا بالمواطن، هو نفسه الذي يتصدى لأي محاولة للانتقاص من سيادته.








