أعلن مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء رفضه المطلق للصيغة المتداولة للمشروع، معبّراً عن قلقه العميق من مضامين اعتبرها تراجعاً خطيراً عن المكتسبات التاريخية للمهنة ومسّاً مباشراً باستقلالها ومبادئها المؤطرة. وجاء هذا الموقف عقب اجتماع عقده المجلس يوم الاثنين 22 دجنبر 2025، برئاسة نقيب الهيئة محمد حيسي، وبحضور أعضاء المجلس، خُصص للتداول في ما راج من معطيات بشأن مشروع القانون الجديد.
وأكد المجلس، وفق مقرر رسمي صدر عقب الاجتماع، أن المشروع لم يُعمم على مجالس هيئات المحامين بالمغرب، رغم التوصية الصريحة الصادرة عن المؤتمر الوطني الثاني والثلاثين لجمعية هيئات المحامين بالمغرب، المنعقد بمدينة طنجة في ماي 2025، والتي شددت على ضرورة إشراك جميع الهيئات في مناقشة أي إصلاح تشريعي يهم المهنة. واعتبر أعضاء المجلس أن هذا الإقصاء يمس بجوهر المقاربة التشاركية التي يفترض أن تؤطر إصلاح منظومة العدالة، خاصة حين يتعلق الأمر بمهنة تضطلع بدور دستوري في حماية الحقوق والحريات.
وعبّر مجلس الهيئة عن “انشغال عميق” إزاء ما بلغ إلى علمه من مضامين المشروع، مشيراً إلى أنها تمس باستقلال المهنة وبالضمانات الأساسية التي راكمها المحامون منذ أول تشريع منظم للمحاماة سنة 1924. كما اعتبر أن بعض التوجهات الواردة في المشروع، بحسب ما تم تداوله، تهدد التوازن القائم داخل منظومة العدالة، وتفتح الباب أمام تقليص أدوار المحامي والحد من استقلاليته الوظيفية والمؤسساتية.
وفي السياق ذاته، وجّه المجلس انتقادات صريحة إلى مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، معتبراً أن عدم تعميم مشروع القانون على المجالس يشكل “تجاوزاً خطيراً للاختصاصات” وتعدياً على الأدوار القانونية لمجالس الهيئات، التي تبقى، وفق تعبيره، الممثل الشرعي للمحامين والمدافعة عن مصالحهم المهنية والمؤسساتية. واعتبر المجلس أن تدبير هذا الملف بهذه الطريقة لا يخدم مصلحة المهنة ولا ينسجم مع الأعراف المهنية ولا مع مقتضيات الديمقراطية التشاركية.
وأكد مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء، بالإجماع، رفضه القاطع لمشروع القانون بصيغته الحالية، مشدداً على أن أي إصلاح حقيقي لمنظومة المحاماة يجب أن يمر عبر حوار موسع ومسؤول، قائم على التوافق المسبق مع الهيئات المهنية، واستحضار التراكم التاريخي للمهنة ودورها المحوري داخل منظومة العدالة. وذكّر المقرر الصادر عن الاجتماع بما سبق أن أكده وزير العدل في أكثر من مناسبة، من أن إصلاح مهنة المحاماة لا يمكن أن يتم دون إشراك فعلي للمحامين ومؤسساتهم التمثيلية.
ويأتي موقف هيئة محامي الدار البيضاء في سياق انقسام واضح داخل الأوساط المهنية حول طريقة تدبير الحوار بخصوص مشروع القانون الجديد، حيث تتصاعد أصوات هيئات وجهات مهنية تطالب بإعادة طرح النص للنقاش العمومي، وفتح مسار تشاوري شفاف يضمن مشاركة جميع الفاعلين. وترى هذه الأصوات أن أي مقاربة أحادية قد تؤدي إلى تعميق الاحتقان داخل الجسم المهني، بدل الإسهام في تطوير المهنة وتعزيز مكانتها.
وفي ظل هذا الوضع، تتجه الأنظار إلى الخطوات المقبلة التي قد تقدم عليها هيئات المحامين، سواء على مستوى التنسيق فيما بينها أو عبر مبادرات احتجاجية وتنظيمية، بهدف الدفاع عن استقلال المهنة وصيانة مكتسباتها. كما يظل مطلب إعادة النقاش العمومي حول مشروع القانون، وفق مقاربة تشاركية حقيقية، عنواناً بارزاً للمرحلة المقبلة، في انتظار تفاعل الجهات المعنية مع هذه الدعوات المتزايدة داخل المشهد الحقوقي والمهني.










































