لم يكن تأهل المنتخب المغربي على حساب هولندا مجرد انتصار رياضي يُضاف إلى سجل “أسود الأطلس”، بل كان لحظة كروية أعادت رسم صورة المنتخب المغربي في أعين الإعلام الدولي. فالمثير في التغطيات التي أعقبت المباراة ليس فقط الإشادة بالفوز، وإنما شبه الإجماع على أن المغرب كان الطرف الأفضل، وأن التأهل جاء منسجماً مع ما قدمه فوق أرضية الملعب.
منذ مونديال قطر 2022، لم يعد المنتخب المغربي يُنظر إليه كمنتخب يفاجئ الكبار في مباراة عابرة، بل أصبح منافساً يفرض شخصيته ويجبر خصومه على إعادة حساباتهم. وهذا ما عكسته كبريات الصحف العالمية، التي لم تكتف بالإشادة بالأداء المغربي، بل وجهت في المقابل انتقادات واضحة للطريقة التي لعب بها المنتخب الهولندي.
اللافت أن مؤسسات إعلامية تختلف في مدارسها الكروية، من بريطانيا إلى إسبانيا وفرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة، التقت عند فكرة واحدة: المغرب كان الأكثر جرأة، والأكثر رغبة في الفوز، والأقرب إلى روح كرة القدم الحديثة. وعندما تتفق هذه المنابر على تقييم واحد، فإن الأمر يتجاوز العاطفة أو الانحياز، ليصبح اعترافاً بقيمة مشروع كروي يتطور بثبات.
في المقابل، بدا المنتخب الهولندي بعيداً عن الهوية التي طالما اشتهر بها. فمدرسة “الكرة الشاملة” التي صنعت أمجاد الطواحين لعقود لم تظهر إلا في الذكريات، بينما حضرت الواقعية المبالغ فيها والدفاع المفرط، حتى أن بعض وسائل الإعلام وصفت خروج هولندا بأنه “عدالة كروية”، لأن الفريق الذي بحث عن اللعب هو من انتصر في النهاية.
هذا الانتصار يحمل رسالة أعمق من مجرد العبور إلى الدور المقبل. فالمغرب لم يعد يكتفي بمقارعة المنتخبات الأوروبية، بل أصبح يفرض عليها أسلوبه ويجبرها على التراجع والدفاع. والأهم أن شخصية المنتخب لم تتغير حتى بعد التأخر في النتيجة، إذ واصل الضغط والإيمان بحظوظه إلى أن جاء هدف التعادل في الوقت القاتل، قبل أن يحسم المواجهة بثقة في ركلات الترجيح.
ولعل أجمل ما في هذه المباراة أنها أكدت أن ما تحقق في قطر لم يكن صدفة أو استثناءً تاريخياً، بل بداية مرحلة جديدة لكرة القدم المغربية. فالاستمرارية في مقارعة الكبار، والقدرة على فرض الأداء قبل النتيجة، هي المؤشر الحقيقي على نضج أي منتخب يسعى إلى تثبيت مكانته بين نخبة العالم.
واليوم، لم يعد الإعلام العالمي يتحدث عن المغرب باعتباره “الحصان الأسود”، بل كمنتخب يمتلك هوية واضحة، ومشروعاً رياضياً يحظى بالاحترام، وجيلاً يؤمن بأن الوصول إلى الأدوار المتقدمة في كأس العالم لم يعد حلماً، بل هدفاً مشروعاً يمكن تحقيقه كلما توفرت الروح والجودة والانضباط.







































