شكل بلاغ الديوان الملكي، بشأن عدم تمديد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مهمة بعثة المينورسو، محطة مفصلية في مسار قضية الصحراء المغربية، بما يحمله من دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد قرار مرتبط بمستقبل بعثة أممية، لتؤشر على تحول عميق في طريقة تعاطي المملكة مع ملف وحدتها الترابية، تحت القيادة الملكية.
و اتضح تعامل بلاغ الديوان الملكي، ليس فقط مع التطور الأممي باعتباره إجراء إداريا أو تقنيا يهم ولاية بعثة دولية، وإنما قدمه باعتباره مؤشرا على دخول قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من تدبير نزاع استمر لعقود إلى العمل على طي صفحته نهائيا، وتثبيت الحق المغربي في إطار رؤية سياسية ودبلوماسية تستند إلى السيادة الوطنية ومبادرة الحكم الذاتي.
وتكتسي هذه اللحظة أهميتها من تزامنها مع تخليد عيد الوحدة، الذي أقره الملك محمد السادس، في دلالة على ارتباط التحول الأممي بمسار وطني أوسع، يروم إعادة صياغة المحددات السياسية والتاريخية لقضية الصحراء المغربية، والانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق ترسيخ الوحدة الوطنية والتنمية والاندماج.
ومن خلال هذا البلاغ، يبرز أن المؤسسة الملكية تقود مرحلة جديدة من معركة الوحدة الترابية، لا تقوم فقط على الدفاع عن الموقف المغربي داخل المؤسسات الدولية، وإنما على إعادة تشكيل البيئة السياسية والدبلوماسية التي ظل يتحرك داخلها هذا الملف منذ عقود.
ويستحضر البلاغ مرور 35 سنة على وجود بعثة المينورسو، معتبرا أن عدم تمديد مهمتها يشكل نهاية لمرحلة ارتبطت بسياق دولي وسياسي أصبح متجاوزا، بعدما تحولت البعثة، وفق القراءة التي يقدمها الديوان الملكي، إلى أحد مظاهر استمرار تدويل النزاع وإبقاء القضية ضمن أجندة مجلس الأمن.
وجاء في الرسالة الملكية أن المغرب لا ينظر إلى هذا التطور باعتباره نهاية لمهمة بعثة أممية فحسب، بل يربطه بإمكانية إنهاء المسار السياسي الأممي بصيغته السابقة، بما يشمل الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن، والتقارير المرتبطة بالملف، والإحاطات التي يقدمها الأمين العام ومبعوثه الشخصي، وهي رسالة سياسية قوية تعكس طموح المملكة إلى الانتقال بالقضية من دائرة النزاع الإقليمي المفتوح إلى مرحلة تثبيت الحل السياسي على أساس السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي، بما يضع حدا لمنطق إدارة الأزمة الذي طبع هذا الملف لعقود.
وربط البلاغ هذا التحول بمسؤولية الأطراف الأخرى عن إطالة أمد النزاع، من خلال استمرار حالة الجمود وعدم التفاعل الإيجابي مع المساعي السياسية الرامية إلى إيجاد تسوية نهائية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لمدى استعداد المجتمع الدولي لمواكبة التحولات التي يعرفها الموقف من قضية الصحراء المغربية.
وفي هذا السياق، لا يغفل البلاغ التأكيد على أن المغرب، رغم ارتياحه لهذا التطور، يظل متمسكا بوقف إطلاق النار، مع التشديد على سلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه. وهي إشارة تعكس أن الحسم السياسي والدبلوماسي لا ينفصل عن الحفاظ على الاستقرار والأمن في الأقاليم الجنوبية.
و وفق القراءة التي قدمها الديوان الملكي، عنوانا لنهاية مرحلة امتدت 35 سنة، فإن الرهان الأكبر يتمثل في ترجمة هذا التحول إلى واقع سياسي ودبلوماسي يفتح الطريق أمام الطي النهائي للنزاع حول الصحراء المغربية.
فالبلاغ يضع هذا التطور ضمن دينامية دولية يقودها الملك محمد السادس، نجحت في نقل القضية إلى مستوى متقدم من الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها الإطار الوحيد لحل هذا النزاع الإقليمي في ظل السيادة المغربية.
ويكتسب هذا المعطى أهمية خاصة في ضوء تأكيد البلاغ أن أكثر من ثلثي أعضاء منظمة الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، يؤيدون بوضوح مبادرة الحكم الذاتي. وهو ما يعكس اتساع دائرة الاقتناع الدولي بالمقاربة المغربية، ويمنح الدبلوماسية الوطنية رصيدا سياسيا متزايدا في مسار الدفاع عن الوحدة الترابية.
ومن هنا، فإن التحول الذي يتحدث عنه البلاغ لا يرتبط فقط بمستقبل المينورسو، وإنما بإعادة ترتيب أولويات التعاطي الدولي مع القضية، على أساس أن الحل لم يعد رهينا باستمرار آليات أممية ظلت تشتغل لعقود، بل بوجود أفق سياسي واضح يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي والاعتراف بالسيادة المغربية.
وتكشف هذه المقاربة عن انتقال الدبلوماسية الملكية من مرحلة الدفاع عن الموقف الوطني ومواجهة محاولات فرض الأمر الواقع، إلى مرحلة المبادرة وصناعة التحولات، من خلال بناء تحالفات دولية وتوسيع دائرة الدول الداعمة للمقترح المغربي، سواء على المستوى الثنائي أو الإقليمي.
كما أن تأكيد البلاغ استمرار هذه الدينامية في المرحلة المقبلة، وعلى مستويات متعددة، يحمل رسالة مفادها أن المغرب لا يعتبر التطور المسجل داخل مجلس الأمن نهاية لمسار العمل الدبلوماسي، بل بداية لمرحلة جديدة تتطلب مواصلة التعبئة وتثبيت المكتسبات وتوسيع نطاق الدعم الدولي.
وفي هذا الإطار، يكتسي عيد الوحدة دلالة تتجاوز رمزيته الوطنية، ليصبح عنوانا لمرحلة يراد لها أن تؤسس لقطيعة مع منطق الانتظار وإدارة النزاع، وتعزز الارتباط بين الوحدة الترابية ومشاريع التنمية والاستثمار والبنيات التحتية والإدماج الاقتصادي والاجتماعي للأقاليم الجنوبية.
إن الرهان لم يعد محصورا في تدبير ملف الصحراء داخل أروقة الأمم المتحدة، وإنما في جعل التحول الدبلوماسي مدخلا لمرحلة جديدة من تثبيت السيادة وتعزيز الاستقرار وإطلاق آفاق تنموية أوسع، بما يترجم الوحدة الترابية إلى واقع سياسي واقتصادي ومؤسساتي متكامل.
وهكذا، يضع البلاغ الصادر عن الديوان الملكي قضية الصحراء المغربية أمام منعطف تاريخي، عنوانه الانتقال من معركة تدبير النزاع إلى معركة تثبيت الحل النهائي. وهي مرحلة تتطلب مواصلة القيادة الملكية للدينامية الدولية، وتعزيز الجبهة الوطنية، وتحويل الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي إلى مسار سياسي يفضي إلى الحسم النهائي في هذا النزاع الإقليمي.






