كشف تقرير «الدراسة الدولية للتعليم والتعلم TALIS 2024» الخاص بالمغرب، الصادر عن الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، عن صورة مركبة لواقع مهنة التدريس، تجمع بين دينامية بشرية لافتة وتحديات هيكلية ما زالت تؤثر في جودة المنظومة التعليمية.
ويقدم التقرير، الصادر في دجنبر 2025، تحليلاً معمقاً لأوضاع الأساتذة المهنية، مستنداً إلى معطيات ميدانية ومقارنات دولية، بهدف توجيه السياسات التربوية وتعزيز جودة التعليم في سياق وطني ودولي متغير. ويركز على محاور متعددة تشمل خصائص الأساتذة، وظروف العمل، والممارسات البيداغوجية، والعلاقات المهنية، إضافة إلى مستويات الرضا والرفاه الوظيفي.
ويبرز التقرير أن هيئة التدريس في المغرب تتميز بكونها شابة نسبياً، حيث لا يتجاوز متوسط أعمار الأساتذة أربعين سنة، مع حضور نسائي قوي في التعليم الابتدائي، ونسبة مرتفعة من الأساتذة الجدد. ورغم ما تعكسه هذه المؤشرات من إمكانات للتجديد، فإنها تطرح في المقابل إشكالات مرتبطة بتوزيع الأطر، خصوصاً مع تمركز الأساتذة الأقل خبرة في المناطق الهشة.
ويواجه الأساتذة، وفق المعطيات ذاتها، أقساماً غير متجانسة من حيث المستويات الأكاديمية والاجتماعية واللغوية للتلاميذ، في ظل محدودية الموارد، غير أنهم يبدون التزاماً مهنياً مرتفعاً، حيث يساهم أغلبهم في تنمية الجوانب الاجتماعية والعاطفية لدى المتعلمين. كما يسجل التقرير تحكماً جيداً في الجوانب التنظيمية للتدريس، مقابل ضعف نسبي في اعتماد المقاربات التي تعزز التفكير النقدي والعمل التعاوني.
وفي ما يتعلق بالتحول الرقمي، يظهر الأساتذة انفتاحاً واضحاً على استخدام التكنولوجيا، مع إقرار غالبيتهم بأثرها الإيجابي على تحفيز التلاميذ وتحسين أدائهم، رغم استمرار مخاوف مرتبطة بالتشتيت وضعف توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي مقارنة بالمعدلات الدولية.
أما على مستوى التكوين، فيشير التقرير إلى استمرار فجوة مع المعايير الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بنسبة الحاصلين على شهادات عليا، إضافة إلى محدودية برامج المواكبة لفائدة الأساتذة الجدد، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بالإدماج المهني وتحسين الأداء التربوي. ورغم انخراط واسع في التكوين المستمر، فإن مضمونه لا يزال يركز على الجوانب التقليدية، مع حضور ضعيف للمواضيع المرتبطة بالرقمنة والتعليم الدامج.
كما يسجل التقرير محدودية الاستقلالية البيداغوجية للأساتذة، خاصة في ما يتعلق بتكييف المناهج واختيار أهداف التعلم، مقابل هامش أكبر في مجالات التقييم. ويلاحظ في المقابل مستوى مرتفع من إشراك الأساتذة في تدبير المؤسسات التعليمية، مع تفاوت في فرص المشاركة في اتخاذ القرار التربوي.
وفي جانب العلاقات المهنية، يكشف التقرير عن ضعف انتشار الممارسات التعاونية المنظمة، مثل التدريس المشترك وتبادل الزيارات الصفية، رغم وجود روح زمالة قوية وعلاقات إيجابية مع التلاميذ والإدارة التربوية. كما تظل العلاقة مع الأسر محدودة نسبياً مقارنة بالمعايير الدولية.
وعلى مستوى الرضا المهني، يعبر غالبية الأساتذة عن ارتباط قوي بمهنة التدريس، مع مستويات مرتفعة من الرضا العام، غير أن هذا لا يحجب وجود تحديات مرتبطة بضعف الأجور وعبء العمل، إضافة إلى ضغوط مهنية متفاوتة، خصوصاً في ما يتعلق بتنفيذ الإصلاحات التربوية. كما يفكر جزء مهم من الأساتذة، خاصة الأكبر سناً، في مغادرة المهنة بسبب الإرهاق المهني.
ويخلص التقرير إلى أن إصلاح المنظومة التعليمية في المغرب يظل رهيناً بتعزيز جاذبية مهنة التدريس، وتحسين ظروف العمل، وتطوير التكوين، وتوسيع هامش الاستقلالية المهنية، إلى جانب دعم الممارسات التربوية المبتكرة، بما ينسجم مع أهداف الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، التي تضع الأستاذ في صلب التحول التربوي.










































