سلّط المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الضوء، في تقرير جديد قُدم بالرباط، على أعطاب بنيوية كشفت عنها الأزمات الأخيرة داخل المدرسة العمومية، مؤكدا أن اختبارات الواقع أبانت عن محدودية جاهزية المنظومة التربوية لمواجهة الطوارئ وضمان استمرارية التعلم بجودة وإنصاف. وإذا كان التقرير يتبنى مفهوم “الصمود التحويلي” كأفق استراتيجي، فإنه في المقابل يرسم صورة نقدية واضحة لواقع تعليمي يعاني اختلالات عميقة تتفاقم حدتها في أوقات الأزمات.
التقرير، الذي تناول قدرة المنظومة التربوية على الصمود خلال جائحة كوفيد 19 وتداعيات زلزال الحوز، خلص إلى أن المدرسة العمومية كانت الحلقة الأضعف في سياق التحولات المفاجئة، سواء من حيث الجاهزية الرقمية أو مرونة المناهج أو القدرة على الاستجابة السريعة لحاجيات المتعلمين النفسية والاجتماعية. وأبرز أن الانتقال إلى أنماط تعليم بديلة تم في كثير من الأحيان بشكل ارتجالي، دون تخطيط مسبق أو بنية تحتية داعمة.
ومن أبرز مظاهر الهشاشة التي رصدها التقرير، ضعف استباق الأزمات وغياب سيناريوهات جاهزة للتدخل، ما جعل القرارات تتخذ تحت ضغط الظرفية بدل أن تكون مبنية على رؤية استشرافية. كما أشار إلى قصور في أنظمة المعلومات التعليمية، التي لم تكن توفر معطيات آنية ودقيقة تسمح بتتبع الانقطاع المدرسي أو قياس الخسائر في التعلمات بشكل فعال.
و على المستوى البيداغوجي، سجل التقرير أن المناهج الدراسية أظهرت محدودية في المرونة، إذ لم تكن مصممة بما يسمح بتكييفها السريع مع التعليم عن بعد أو التعليم الهجين. هذا الجمود المنهاجي انعكس سلبا على جودة التعلمات، خاصة في المواد الأساسية، حيث عانى عدد كبير من التلاميذ من صعوبات في التحصيل دون وجود برامج دعم فعالة ومهيكلة.
كما أبرزت الدراسة أن تكوين المدرسين لم يكن كافيا لتمكينهم من أدوات التدريس الرقمي أو تدبير الفصول الافتراضية، ما جعل جزءا مهما من العملية التعليمية يعتمد على مجهودات فردية أكثر منه على تأطير مؤسساتي منظم. وأدى هذا الوضع إلى تفاوتات واضحة بين المؤسسات، بل وحتى بين الأساتذة داخل المؤسسة الواحدة، بحسب درجة تمكنهم من الوسائط الرقمية.
أما على مستوى البنيات التحتية، فقد كشفت الأزمات عن هشاشة كبيرة في تجهيزات عدد من المؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق القروية وشبه الحضرية. ضعف الربط بالإنترنت، وقلة المعدات المعلوماتية، وغياب فضاءات ملائمة للتعلم البديل، كلها عوامل عمقت الفجوة بين المتعلمين، وجعلت مبدأ تكافؤ الفرص عرضة للاهتزاز. وأكد التقرير أن التحول الرقمي، بدل أن يكون رافعة للإنصاف، تحول في بعض الحالات إلى عنصر يكرس الفوارق الاجتماعية والمجالية.
كما توقف التقرير عند البعد النفسي والاجتماعي، مسجلا أن الدعم الموجه للتلاميذ خلال فترات الانقطاع لم يكن بالمستوى المطلوب، سواء من حيث الموارد البشرية المتخصصة أو من حيث البرامج المهيكلة. فالأزمات لم تكن تعليمية فقط، بل كانت أيضا اجتماعية ونفسية، وكان من المفترض أن تقابل باستجابة شمولية تتجاوز البعد البيداغوجي الضيق.
وانتقد التقرير كذلك محدودية التنسيق بين مختلف المتدخلين، وضعف إشراك الجماعات الترابية والفاعلين المحليين في تدبير تداعيات الأزمات على المؤسسات التعليمية. هذا القصور في الحكامة الترابية جعل الاستجابة متفاوتة من منطقة إلى أخرى، وخاضعة أحيانا لاجتهادات ظرفية بدل أن تستند إلى إطار وطني واضح ومندمج.
ورغم إقرار التقرير بوجود نقاط قوة، مثل سرعة التعبئة والانخراط الملحوظ للأطر التربوية والإدارية، فإنه شدد على أن هذه المبادرات لم تكن كافية لتغطية الأعطاب البنيوية المتراكمة. فالمدرسة العمومية، كما يعكسها التشخيص، ما زالت تفتقر إلى منظومة متكاملة لإدارة المخاطر، وإلى تخطيط ميكروي دقيق يراعي الخصوصيات الترابية ويستبق السيناريوهات المحتملة.
ويخلص التقرير إلى أن ضمان الحق في تعليم جيد في جميع الظروف يقتضي تحولا عميقا يتجاوز الحلول الظرفية. فمفهوم الصمود، كما يطرحه، لا يعني فقط القدرة على امتصاص الصدمة، بل يستلزم إعادة بناء السياسات والمناهج والبنيات على أسس جديدة تجعل المدرسة العمومية أكثر مرونة وعدالة واستعدادا للمستقبل.
وبين تشخيص صارم للهشاشة البنيوية والدعوة إلى إصلاح استراتيجي شامل، يضع التقرير صانعي القرار أمام مسؤولية إعادة التفكير في نموذج المدرسة العمومية، حتى لا تتحول كل أزمة جديدة إلى اختبار قاس يعري من جديد أعطابا كان بالإمكان معالجتها في زمن الاستقرار.









































