هناك الحق وهناك تدبير الحق. الحق هو ما يكتسبه المواطن بمجرد كونه مواطنا، وتدبير الحق هو ما ينبغي أن يكون موضوعا للمنافسة، وأمر خاضعا للمبارزة بين الأحزاب وفق البرامج التي تعدها.
عندما نتابع برامج الأحزاب، والبرامج هنا تسامحا، أو نستمع لخطابات الزعماء السياسيين، ونحضر تجمعات الهيئات السياسية والمرشحين، نرى أن كل حزب يسعى للفوز بالرتبة الأولى، يقدم وعودا انتخابية هي من قبيل الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها المواطن المغربي.
تحدثنا سابقا عن مساومة الموظفين على حقوقهم القانونية، التي تتعلق بالأجور وغيرها، وهي حقوق ينبغي الحصول عليها فقط لأنهم موظفون ولا يمكن شرط ذلك بفوز هذا الحزب أو ذاك، واليوم نرى مساومة المواطنين والناخبين على حقوقهم الطبيعية، التي ينبغي أن ينالوها فقط لكونهم مواطنين مغاربة.
المواطن يمتلك حق التصويت على هذا الحزب أو ذاك وعلى هذا المرشح وذاك، بل حتى عدم التصويت على أي مرشح إذا لم تقنعه العروض الموجودة أو لسبب آخر، لكن حقوقه غير مرتبطة بالانتخاب أو التصويت على هذا الحزب أو ذاك.
التنافس إذن ليس على من سيقدم للمواطن حقوقه، ومن سيدافع عنها ويترافع من أجلها، لأن المرشح سيكون برلمانيا، وحزبه سيكون في الحكومة أو في المعارضة، وليس جماعة مناضلة من أجل الحقوق، التي هي خلاصة تراكم تاريخي من التدافع السياسي، وبالتالي لا يمكن إخضاعها لتغيرات الحكومة التي لا يمكن أن تستقر على شكل معين.
توفر الخدمات والعمل على توفيرها أمر طبيعي ولا ينبغي أن يكون موضوع برنامج انتخابي، لكن البرنامج هو طريقة تدبير هذه الحقوق الطبيعية وتوفير الموارد اللازمة لسيرها الطبيعي وإزالة العوائق من أمامها وتجويدها، ومعالجة بعض الاختلالات التي تعاني منها، وفي هذا فليتنافس المتنافسون.
التنافس الانتخابي له موضوع آخر مختلف عما نراه أمام أعيننا، فالحق ليس موضوعا انتخابيا، ولكن البرنامج الانتخابي، هو قوة اقتراحية لتجويد الحياة والرقي بالمجتمع، وتقديم مقترحات حول تطوير الاقتصاد والصناعة وتوفير مناصب الشغل، وليس التنافس على أرقام وهمية لا يمكن تحقيقها.
حالة واحدة يمكن فيها اعتبار الحق موضوعا انتخابيا، عندما يكون الحق مرتبطا بما ستحققه الحكومة، لكن بالنتيجة هو من مهام الحكومة، فالحق في الشغل لا نقاش فيه، والحكومة ملزمة بتوفير مناصب الشغل، لكن مع الحفاظ على ما هو موجود من مناصب شغل، تصور حكومة توفر 200 ألف منصب في السنة، لكن نتيجة الظروف ونتيجة التدبير السيء للحكومة والشأن العام تفقد البلاد 210 آلاف منصبا في قطاعات أخرى فنكون هنا خسرنا 10 آلاف منصب شغل.
وهكذا نكون أمام أحزاب سياسية تساوم المواطن على حقوقه الطبيعية، التي ينبغي أن يمتلكها ويصل إليها بغض النظر عن طبيعة الحزب الذي يصل إلى الحكومة.








