يمثّل أليكس كارب نموذجًا مختلفًا من نخبة وادي السيليكون، حيث يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى ركيزة للهيمنة الأمنية والعسكرية، وتصبح المعرفة نفسها شكلًا من أشكال السلطة.
أحمد نظيف
خادم الإمبراطورية الجديد: حكاية الرجل الذي جعل الحرب «ذكية»
أليكس كارب خلال حديثه في منتدى «هيل آند فالي» في واشنطن العاصمة. تصوير بريندان سميالوفسكي. أ ف ب.
01 شباط 2026
حيثما وليتَ وجهك في عالم اليوم ستجد أيادي لشركة «بالانتير» في الحروب والكوارث التي يواجهها البشر، وكأنها بروميثيوس العصر الحديث، تسرق نار المعرفة وتنثرها في أرجاء العالم حروبًا وكوارث. لكن خلف هذا الكيان «اللوياثاني» الضخم رجل نحيل يدعى أليكس كارب، يبدو مختلفًا عن بقية رموز الإقطاع التكنولوجي في الولايات المتحدة الأمريكية، من حيث الجذور والأهداف والرؤية. فهو أكثر ثقافةً وأكثر خطورةً في الوقت نفسه.
قبل عامٍ خرج كارب من مساحة الغموض للجمهور بكتابٍ وضعه مع مستشاره، نيكولاس دبليو زاميسكا، شرح فيه رؤيته الاستراتيجية والفلسفية حول كيفية استعادة الغرب لسيادته وتفوقه في عصر الذكاء الاصطناعي تحت عنوان «الجمهورية التكنولوجية». هو أقرب لـ«بيانٍ للنزعة الاستبدادية التكنولوجية»، وقد انتهى فيه إلى أن العالم يعيش حاليًا نقطة تحول حاسمة، حيث ينتهي عصر الردع القائم على السلاح النووي ليبدأ «عصر الردع القائم على الذكاء الاصطناعي». وفي هذا الواقع الجديد، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين كفاءة الشركات، بل أصبح أداة قوة سيادية تستخدمها الدول لتغيير موازين القوى العالمية وفرض قيمها. ويحذر كارب من أن الخصوم -مثل الصين وروسيا- قد أحرزوا تقدمًا في هذا المجال، مستغلين عدم تقيدهم بالضوابط الأخلاقية التي قد تبطئ الغرب.
ولأنه مختلف عن بقية رموز الإقطاع التقني، يشنّ كارب هجومًا في كتابه على ما يسميه «الأغنوستية التكنولوجية» في وادي السيليكون، حيث تكتفي الشركات الكبرى بمشاريع استهلاكية وربحية وتتجنب «الالتزام بمشاريع وطنية كبرى أو دعم الدفاع الوطني». كما يوجه نقدًا لاذعًا للمؤسسات الأكاديمية التي يرى أنها أصبحت تنتج نخبًا تفتقر إلى القناعات الراسخة وتخاف من إثارة الجدل، مما يؤدي إلى «تآكل الهوية الوطنية والروح الجماعية اللازمة لمواجهة التحديات الجيوسياسية».
ويجد اختلاف كارب عن بقية الطُغمة التكنولوجية جذوره في التكوين المعرفي للرجل، الذي جاء للتكنولوجيا من حقل العلوم الاجتماعية والفلسفة، وتبنى «الروح الريادية الأمريكية» بعد تجربة حياتية وأكاديمية في ألمانيا، فضلًا عن تعقيدات الوضع العائلي الإثني والفكري الذي ولد وتربى فيه. لكن ما يقوله كارب عن نفسه قليل مقابل ما تقوله عنه سيرته التي كتبها مايكل شتاينبرغر «الفيلسوف في الوادي: أليكس كارب، بالانتير، وصعود دولة المراقبة». وعلى امتداد 11 فصلًا يتأمل شتاينبرغر فيما تمثله شركة بالانتير كتجسيد جديد لسلطة المعرفة، وأليكس كارب كشخصية مأساوية وطموحة، تؤمن أن التاريخ دائمًا على حافة الكارثة، وقد بنى شركة لمنع تلك الكارثة، حتى مع خطر خلق كوارث جديدة.
لا تكن «إيكاروس»
لعبت الجذور الشخصية والعائلية لكارب دورًا فيما أصبح عليه اليوم. ولد كارب في مدينة نيويورك عام 1967، وانتقلت العائلة لاحقًا إلى فيلادلفيا. كانت عائلته مزيجًا عرقيًا غريبًا في ذلك السياق الأمريكي. والده من أصل يهودي ألماني، ووالدته امرأة سوداء تنحدر من سلالة عبد سابق. نشأ أليكس في حي «ماونت أيري»، الذي كان بمثابة جزيرة من التعدد الثقافي، في مدينة كانت تعاني من سياسات عنصرية حادة تحت قيادة العمدة فرانك ريزو. عاشت العائلة حياة بسيطة ومتقشفة، فلم يمتلكوا تلفازًا خلال معظم سنوات طفولة أليكس، وكانت عطلاتهم الصيفية تقضى في كوخ خشبي في فيرمونت يفتقر للكهرباء والمياه الجارية.
تأثر كارب بالتوجهات اليسارية لوالديه، حيث شارك في احتجاجات سياسية والتقى بشخصيات مثل نعوم تشومسكي. كما كانت زياراته المتكررة لمتحف الفنون مع والديه محورية في تكوين شخصيته، حيث كان والده، بوب كارب، يوجه انتباهه دائمًا إلى تمثال «إيكاروس». يرى شقيقه بن أن هذا كان تحذيرًا مبكرًا من الغرور، وربما محاولة من الأب لقمع طموحات أليكس المتزايدة. اتسمت العلاقة بين أليكس ووالده بنوع من التنافسية الغريبة من جانب الأب، الذي لم يظهر أي ميل للاحتفال بنجاح ابنه حتى بعد أن أصبح مليارديرًا. أما أليكس فيعتقد أن إنجازاته الكبيرة كانت رد فعل على ما اعتبره فشل والديه في استغلال قدراتهما الكاملة، فوالدته، ليا جاينز كارب، كانت فنانة موهوبة لم تنل التقدير الذي تستحقه، ووالده كان طبيب أطفال وباحثًا متميزًا لم يحقق المكانة التي تليق بعلمه. كان كارب يرى أن والديه يفتقران إلى «مهارات التنقل» أو السعي في العالم، بينما وُهب هو هذه المهارات، مما جعله يعتبر نجاحه ردًا على «قصورهما المهني».
لكن كارب الذكي والعبقري الذي نعرفه، لم يكن كذلك في طفولته المبكرة. فقد واجه صعوبة بالغة في تعلم القراءة، وشُخص في سن الثامنة باضطراب عسر القراءة، ما دفع أهله لوضعه في مدرسة متخصصة لذوي الاحتياجات التعليمية، حيث بذل مجهودًا جبارًا حتى أتقن القراءة. ويصف ذلك بأنه «أكبر محنة واجهها»، لكنه يراه أيضًا «جناحين للتحليق»، حيث علمه الاعتماد على مهارات التعاون مع الآخرين واتخاذ قرارات حاسمة بناءً على معلومات أقل. ولد هذا القصور لديه شعورًا دائمًا بالضعف، فكونه طفلًا يهوديًا ومن عرق مختلط ويعاني من إعاقة تعليمية، أشعره بأنه لا يمكنه الاعتماد إلا على نفسه للبقاء في عالم قد يكون معاديًا. ثم ما لبث أن التحق بكلية هافرفورد بناءً على نصيحة مستشار تعليمي رأى أنها تناسب عقليته المفكرة. في هافرفورد، تخصص في الفلسفة وكان طالبًا متميزًا ومشاركًا نشطًا في قضايا المجتمع الأسود والاحتجاجات ضد التمييز العرقي. وقد تزامنت بداية مرحلته الثانوية مع طلاق والديه المرير، وهو الحدث الذي هز عالمه، فقد رفض والده دفع تكاليف دراسته، مما اضطر والدته للاقتراض واستخدام مدخراتها لتغطية النفقات. وقد ولد هذا الموقف لدى كارب شعورًا بانعدام الأمن الاقتصادي وعزمًا أكيدًا على عدم تجربة الفقر مرة أخرى.
بعد هافرفورد، التحق كارب بكلية الحقوق في جامعة ستانفورد، لكنه سرعان ما ندم على هذا القرار، واصفًا إياها بأنها «مدرسة تجارية»، لكن الشيء الوحيد الذي جعل ستانفورد محتملة كان صداقته غير المتوقعة مع زميله بيتر ثيل، حيث كانا يقضيان الليالي في لعب الشطرنج ومناقشة الأفكار السياسية بحدة، رغم اختلاف توجهاتهما. ثم قرر متابعة دراساته العليا في ألمانيا، مدفوعًا برغبة فكرية لفهم كيف انحدرت حضارة عريقة مثل ألمانيا إلى البربرية والنازية. هناك تعلم اللغة الألمانية في ثلاثة أشهر فقط والتحق بجامعة «غوته» في فرانكفورت، حيث سعى للعمل مع الفيلسوف يورغن هابرماس، ورغم أن العلاقة الرسمية بينهما كانت محل جدل لاحقًا، إلا أن كارب يدعي أن هابرماس كان مستشارًا لأطروحته لفترة. ركزت أطروحته، التي اكتملت في عام 2002، على دراسة «معاداة السامية» وخطاب الفاشية في الحياة اليومية، مستخدمًا خطابًا مثيرًا للجدل للكاتب مارتن والسر كنموذج للدراسة. في ألمانيا وجد كارب مكانًا يشعره بالقبول العاطفي والحرية الشخصية، فقد استمتع بالثقافة الأوروبية التي رآها أكثر صدقًا في التعامل مع الرغبات الإنسانية مقارنة بما وصفه بـ«النفاق الأمريكي». كما عمل لفترة كمستثمر لثروة صغيرة ورثها عن جده، وأظهر موهبة في انتقاء الأسهم، مما جذب إليه بعض المستثمرين الأوروبيين لإدارة أموالهم.
عهد الأصدقاء
كتب جيمس فنسنت مرةً أنه «لو لم يكن أليكس كارب موجودًا، لكان على بيتر ثيل أن يخترعه»، وهو مجاز يقارب الحقيقة في وصف مكانة بيتر ثيل في صناعة كارب الذي نعرفه. عندما حصل على الدكتوراة، أدرك كارب أنه لا يرغب في ممارسة مهنة أكاديمية؛ فقد كان في منتصف الثلاثينيات من عمره، يمتلك درجتين علميتين متقدمتين، لكنه يفتقر إلى اتجاه واضح في الحياة. وفي هذا المنعطف أعاد التواصل مع صديقه القديم بيتر ثيل، الذي كان يخطط لتأسيس شركة جديدة لـ«مكافحة الإرهاب» باستخدام التكنولوجيا، في سياقات ما بعد 11 أيلول 2001، مما مهد الطريق لبداية رحلته مع شركة «بالانتير».
بين كارب وثيل مسارات متوازية ورؤى متصادمة. وُلد بيتر ثيل في فرانكفورت بألمانيا بعد تسعة أيام فقط من ولادة أليكس كارب في نيويورك عام 1967. وبينما نشأ كارب في بيئة يسارية منفتحة، نشأ ثيل في بيئة محافظة تقيد مشاهدة التلفاز وتقدس القراءة، وتأثر بعمق برواية «سيد الخواتم» وكتابات آين راند. التقى الاثنان في كلية الحقوق بجامعة ستانفورد. كان كارب يطلق على نفسه لقب «الاشتراكي» بينما يمثل ثيل الرأسمالي، لكنهما اشتركا في ازدراء المناهج الدراسية التقليدية في ستانفورد. بعد نجاحه في تأسيس «باي بال» وبيعها لشركة «إيباي»، أدرك ثيل أن أكبر تحدٍ واجه شركته لم يكن المنافسة، بل الاحتيال المنظم. عقب هجمات أيلول، رأى ثيل أن الفشل الاستخباراتي الأمريكي كان في جوهره «فشلًا في ربط النقاط» بسبب صوامع البيانات المنعزلة بين الوكالات الحكومية. اعتقد ثيل أن التقنيات التي أنقذت «باي بال» من المحتالين يمكن إعادة توظيفها لمساعدة الحكومة في «مكافحة الإرهاب»، وهو ما أدى إلى ولادة مشروع «بالانتير».










































