مع انتقال حزب الأصالة والمعاصرة إلى قيادة المشاورات الخاصة بتشكيل الحكومة المقبلة، بعد تصدره نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 بـ97 مقعداً، مقابل 66 مقعداً للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال، يتجه النقاش تدريجياً من حسابات الأغلبية إلى تفاصيل أكثر حساسية، في مقدمتها توزيع الحقائب الوزارية.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل استمرار عدم حسم مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة، رغم تفويض المجلس الوطني للحزب رئيسه محمد شوكي بتدبير المفاوضات. وفي حال انتهت المشاورات إلى أغلبية لا تضم «الأحرار»، فإن الأمر لن يقتصر على تغيير تركيبة الأغلبية، بل قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب مواقع النفوذ داخل الحكومة، خصوصاً في قطاعات ارتبط تدبيرها خلال السنوات الماضية بالحزب وقياداته.
وبينما يبقى توزيع الحقائب رهيناً بمخرجات المفاوضات وبالتعيين الملكي، فإن فرضية خروج «الأحرار» من الأغلبية تضع عدداً من الوزارات في قلب الحسابات السياسية، وفي مقدمتها الاقتصاد والمالية والفلاحة والسياحة.
المالية.. من «الاستقرار التجمعي» إلى إعادة فتح الحسابات
تبدو وزارة الاقتصاد والمالية إحدى أبرز الحقائب التي قد تعود إلى واجهة التفاوض، بالنظر إلى مسارها خلال السنوات الأخيرة، بعدما تداول على تدبيرها وزراء ينتمون إلى أحزاب مختلفة، قبل أن تصبح مرتبطة بشكل أوضح بالتجمع الوطني للأحرار.
ففي أكتوبر 2007، تولى صلاح الدين مزوار، القيادي في «الأحرار»، وزارة الاقتصاد والمالية في حكومة عباس الفاسي، خلفاً للقيادي الاتحادي فتح الله ولعلو، الذي ظل على رأس القطاع لنحو عقد.
وبعد ذلك، انتقلت الحقيبة لفترة إلى حزب الاستقلال، إذ تولى نزار بركة الوزارة بين يناير 2012 وغشت 2013، قبل أن يخلفه محمد بوسعيد، القيادي في التجمع الوطني للأحرار، الذي استمر في المنصب إلى غشت 2018.
وخلال مرحلة بوسعيد، كان إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، في صورة تعكس تعدد مستويات تدبير المالية العمومية داخل الحكومة وفقاً للتوازنات السياسية للأغلبية آنذاك.
وفي غشت 2018، تولى محمد بنشعبون وزارة الاقتصاد والمالية إلى غاية 2021، قبل أن تنتقل الحقيبة إلى نادية فتاح العلوي، التي أصبحت أول امرأة تتولى الوزارة، ولا تزال تشغلها في الحكومة المنتهية ولايتها، إلى جانب فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية.
ويعيد هذا المسار إلى الواجهة سؤالاً سياسياً أوسع: هل ستبقى وزارة المالية في المجال السياسي نفسه في حال غياب التجمع الوطني للأحرار عن الحكومة، أم أن موازين الأغلبية الجديدة ستقود إلى تغيير وجهتها؟
وتبرز هنا أسماء محتملة بحكم التجربة والمسار السياسي، من بينها نزار بركة، في حال آلت الحقيبة إلى حزب الاستقلال، فيما قد يكون الأصالة والمعاصرة معنياً بها أيضاً باعتباره الحزب الذي تصدر الانتخابات ويقود مشاورات تشكيل الحكومة.
أما اسم فوزي لقجع، فقد يظل حاضراً في النقاش السياسي والإعلامي، لكن وضعه المستقبلي لا يزال غير محسوم، ولا توجد، في حدود المعطيات المعلنة، صيغة رسمية تحدد موقعه في الحكومة المقبلة أو الحقيبة التي يمكن أن يتولاها.
الفلاحة.. حقيبة ظلت داخل دائرة «الأحرار»
إذا كانت وزارة الاقتصاد والمالية عرفت تعاقباً حزبياً متنوعاً، فإن وزارة الفلاحة تقدم نموذجاً مختلفاً، بعدما ظلت منذ سنة 2007 مرتبطة بالتجمع الوطني للأحرار.
فمنذ تعيين عزيز أخنوش وزيراً للفلاحة والصيد البحري في حكومة عباس الفاسي سنة 2007، بقي القطاع ضمن المجال الحكومي للحزب طوال حكومات عباس الفاسي وعبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، قبل انتقال أخنوش إلى رئاسة الحكومة سنة 2021.
ولم يؤد انتقال أخنوش إلى رئاسة الحكومة إلى خروج «الأحرار» من القطاع، إذ تولى محمد صديقي وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات في حكومة أخنوش الأولى، قبل أن تنتقل الحقيبة، بعد تعديل 2024، إلى أحمد البواري، المنتمي بدوره إلى التجمع الوطني للأحرار.
وبذلك، تبدو الفلاحة من أكثر القطاعات ارتباطاً بالحزب خلال السنوات الماضية، إذ لم تنتقل الحقيبة منذ 2007 إلى حزب آخر، رغم تعاقب الحكومات وتغير الوزراء.
ومن ثم، فإن أي تغيير في موقع «الأحرار» داخل الأغلبية المقبلة سيجعل مستقبل هذه الوزارة واحداً من الملفات التي ستستقطب اهتماماً سياسياً، خصوصاً بالنظر إلى وزن القطاع في الاقتصاد الوطني وعلاقته بملفات الماء والأمن الغذائي والتنمية القروية.
السياحة.. حقيبة صنعت مسارات سياسية
أما وزارة السياحة، فتقدم صورة أكثر تنوعاً، إذ تعاقبت عليها شخصيات من أحزاب مختلفة، لكنها ظلت في بعض المراحل محطة بارزة لعدد من قيادات التجمع الوطني للأحرار.
ففي أكتوبر 2007، تولى محمد بوسعيد وزارة السياحة والصناعة التقليدية، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى وزارة الاقتصاد والمالية. وخلفه سنة 2010 ياسر الزناكي، الذي أصبح لاحقاً مستشاراً للملك.
وبين 2012 و2017، تولى لحسن حداد الوزارة، قبل أن يخلفه محمد ساجد، الأمين العام السابق للاتحاد الدستوري، الذي تولى حقيبة السياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي في حكومة سعد الدين العثماني.
وعادت الوزارة إلى التجمع الوطني للأحرار سنة 2019 مع نادية فتاح العلوي، قبل أن تنتقل في 2021 إلى وزارة الاقتصاد والمالية، فيما تولت فاطمة الزهراء عمور، المنتمية إلى الحزب نفسه، وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني منذ أكتوبر من السنة ذاتها.
ويجعل هذا المسار من السياحة واحدة من الوزارات التي ارتبطت في فترات مختلفة بمسارات سياسية لافتة، سواء داخل «الأحرار» أو خارجه، ما يجعل إعادة توزيعها المحتملة جزءاً من مفاوضات أوسع حول طبيعة الحكومة المقبلة.
ما بعد «الأحرار».. إعادة ترتيب لا مجرد تغيير أسماء
وتكشف هذه الحالات الثلاث أن سيناريو استبعاد التجمع الوطني للأحرار من الأغلبية، إذا تحقق، لن يعني فقط انتقال حقائب من وزير إلى آخر، وإنما قد يفرض إعادة ترتيب أوسع لخريطة القطاعات الحكومية.
فالاقتصاد والمالية يرتبطان بمركز القرار الاقتصادي، والفلاحة بقطاع استراتيجي ظل لسنوات ضمن دائرة «الأحرار»، فيما شكلت السياحة في مراحل مختلفة منصة لمسارات سياسية وانتقالات إلى حقائب أكثر حساسية.
ومع ذلك، تبقى أي قراءة لأسماء الوزراء المحتملين أو للحقائب التي قد تنتقل بين الأحزاب في دائرة السيناريوهات، إلى حين اتضاح ملامح الأغلبية الحكومية والتوافقات السياسية والبرنامجية التي ستقودها








