انتقل النقاش داخل حزب التقدم والاشتراكية بشأن المشاركة في الحكومة المقبلة إلى مرحلة أكثر حسماً، بعدما طلب الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله، من اللجنة المركزية تفويض المكتب السياسي لتدبير المرحلة المقبلة، في ضوء نتائج المشاورات الجارية بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.
وقال بنعبد الله، خلال تقديم التقرير السياسي أمام الدورة الاستثنائية للجنة المركزية، اليوم الثلاثاء، إن التفويض المقترح يستند إلى التزام باستحضار «مصلحة الوطن والشعب» والحفاظ في الوقت نفسه على «وحدة وتماسك وقوة» الحزب، في إشارة إلى حساسية القرار المنتظر بشأن موقع التقدم والاشتراكية في المرحلة السياسية المقبلة.
ويأتي طلب التفويض بعد سلسلة اجتماعات عقدها المكتب السياسي لمناقشة خيار المشاركة الحكومية، وصفها بنعبد الله بأنها «ماراثونية»، وشهدت في بدايتها تباينات كبيرة في وجهات النظر، قبل أن تتجه نحو تقارب أكبر بين أعضاء القيادة.
وأوضح الأمين العام أن النقاش الداخلي اتسم، رغم الاختلافات، بقدر كبير من الجدية وروح المسؤولية والإنصات المتبادل، معتبراً أن هذه الدينامية ساهمت في بلورة مواقف أكثر تقارباً، مع استحضار تداعيات أي قرار على مستقبل الحزب وتموقعه السياسي.
«قرار صعب» يقترب من لحظة الحسم
ووصف بنعبد الله القرار المرتقب بأنه «صعب»، لكنه شدد في المقابل على أن الحزب سبق أن واجه محطات سياسية مماثلة، واتخذ خلالها قراراته بشكل مستقل، معتبراً أن «الذكاء الجماعي» للحزب كان عاملاً حاسماً في تحديد مواقفه.
وتعكس هذه العبارات طبيعة المرحلة التي دخلها الحزب؛ فالنقاش لم يعد مقتصراً على تقييم مبدئي لفكرة المشاركة، وإنما بات مرتبطاً بكيفية تدبير المرحلة المقبلة في ضوء المعطيات التي ستفرزها المشاورات الحكومية.
وفي هذا السياق، شدد بنعبد الله على أن التقدم والاشتراكية حزب ديمقراطي لا يتسرع في اتخاذ القرارات الأساسية، داعياً إلى بلورة «أجوبة ومقاربات جماعية» تمكن الحزب من التعامل مع المستجدات بطريقة بناءة وإيجابية.
وأشار إلى أن الفترة المقبلة ستشهد تطورات متسارعة، خصوصاً ما يتعلق بالتوجهات البرنامجية للحكومة المقبلة، والأطراف السياسية التي ستشارك فيها، فضلاً عن طبيعة القوة الإصلاحية التي يمكن أن تحملها.
البرنامج قبل الحقائب
وفي ما يبدو أنه أحد المفاتيح الأساسية لموقف الحزب، ركز بنعبد الله على طبيعة التقاطعات التي سجلها التقدم والاشتراكية خلال لقاءاته في إطار المشاورات.
وقال إن الحزب سجل «التجاوب والتفاعل الإيجابي» مع عدد من القضايا التي طرحها، معتبراً إياها نقاط التقاء برزت خلال مسار التشاور، إلى جانب تقاطعات برنامجية أخرى.
وفي مقدمة هذه الملفات، وضع الأمين العام المسألة الاجتماعية، خصوصاً في ظل تراجع القدرة الشرائية، داعياً إلى اتخاذ تدابير «قوية وملموسة ومستعجلة» يكون لها أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، سواء في المدن أو القرى.
كما أبرز بنعبد الله وجود تقارب بشأن أوضاع الفئات الاجتماعية الهشة والطبقة المتوسطة، فضلاً عن الحاجة إلى إصلاحات تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية، وتحد من الفقر والهشاشة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية.
ويعطي هذا التركيز على الأولويات الاجتماعية بعداً إضافياً للنقاش حول المشاركة الحكومية، إذ يبدو أن الحزب يسعى إلى ربط قراره النهائي بمدى قدرة الحكومة المقبلة على ترجمة هذه التقاطعات إلى التزامات وبرامج قابلة للتنفيذ، وليس فقط بحجم الحضور داخل الأغلبية.
التفويض يضع الكرة في ملعب المكتب السياسي
وبطلبه تفويض المكتب السياسي لتدبير المرحلة، يسعى بنعبد الله إلى نقل النقاش من مرحلة التداول الداخلي الواسع إلى مرحلة أكثر مرونة في التعامل مع المستجدات السياسية المرتقبة، مع إبقاء القرار محكوماً بما تم الاتفاق عليه داخل اللجنة المركزية.
ويظل الحسم النهائي مرتبطاً بتطور المشاورات وبما ستسفر عنه بشأن البرنامج الحكومي وتركيبة الأغلبية المقبلة، فيما تشير مداخلات بنعبد الله إلى أن الحزب لا ينظر إلى المشاركة باعتبارها هدفاً في حد ذاتها، بقدر ما يربطها بمضمون المرحلة المقبلة وقدرته على الحفاظ على استقلالية قراره السياسي وتموقعه داخل المشهد الحزبي








