في خطوة تُعد من الأوسع منذ نحو عشرين عاماً، يصادق مجلس الوزراء الإسباني، اليوم الثلاثاء 27 يناير 2026، على مرسوم ملكي يقضي بتسوية استثنائية لأوضاع المهاجرين غير النظاميين، بهدف إدماج ما يقارب نصف مليون شخص في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
ويأتي هذا القرار في سياق أوروبي يتسم بتشديد السياسات الهجرية، غير أن مدريد اختارت مساراً مغايراً يقوم على مقاربة وُصفت بالبراغماتية، تجمع بين البعد الإنساني والحاجة الاقتصادية الملحّة، خصوصاً في ظل الخصاص المتزايد في اليد العاملة بعدد من القطاعات الحيوية.
وتُعد هذه العملية أكبر تسوية من نوعها منذ عام 2005، إذ تهدف إلى تصحيح الوضعية القانونية لعشرات الآلاف من الأسر، والاستجابة للعجز المسجل في مجالات مثل الفلاحة والبناء والخدمات المرتبطة برعاية المسنين.
ويعتمد الإجراء الجديد صيغة المرسوم الملكي، ما يسمح للحكومة بتنفيذه بشكل مباشر دون المرور عبر المسار التشريعي البرلماني، في خطوة بررتها السلطة التنفيذية بضرورة السرعة والفعالية، مستندة إلى دعم اجتماعي واسع عبّرت عنه تعبئة مدنية غير مسبوقة.
وقد رافق إقرار المرسوم حراك تقوده مئات الجمعيات والمنظمات الحقوقية، ضمن مبادرة تشريعية شعبية نجحت في جمع عدد كبير من التوقيعات الداعمة لتسوية أوضاع المهاجرين، ما منح القرار زخماً سياسياً واجتماعياً واضحاً.
وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة توصلها إلى اتفاق سياسي مع حزب «بوديموس»، من خارج الائتلاف الحكومي، يتيح اعتماد مسطرة إدارية استعجالية داخل مجلس الوزراء، بما يقلص آجال الإعداد والتنفيذ، ويمنح المرسوم بعداً توافقياً أوسع.
وينص المرسوم على تمكين الأشخاص الذين يثبتون وجودهم في إسبانيا قبل 31 ديسمبر (كانون الأول) 2025، وأقاموا بالبلاد مدة لا تقل عن خمسة أشهر، من التقدم بطلب تسوية، شريطة عدم توفرهم على سوابق جنائية مرتبطة بالموضوع.
ويُعد تقليص مدة الإقامة المطلوبة من ثلاث سنوات إلى خمسة أشهر أبرز مستجدات الإصلاح، في خطوة تهدف إلى تجاوز العراقيل التي كانت تحول دون تسوية أوضاع آلاف المهاجرين.
ويُسمح بإثبات شرط الإقامة عبر وثائق إدارية واجتماعية متعددة، من بينها التسجيل في سجل السكان، أو وثائق طبية، أو عقود إيجار، أو إثباتات الاستفادة من خدمات اجتماعية.
وعند إيداع الطلب، يتم تعليق إجراءات الترحيل، ويُمنح المعنيون إقامة مؤقتة تتيح لهم العمل بشكل قانوني والاستفادة من الخدمات الأساسية، على أن يحصلوا لاحقاً على تصريح إقامة لمدة سنة قابلة للتجديد وفق القوانين الجاري بها العمل.
وترى الحكومة الإسبانية أن إدماج المهاجرين في الاقتصاد النظامي من شأنه تحويلهم من فئة هشّة إلى مساهمين فعليين في سوق الشغل والضمان الاجتماعي، بما يعزز المداخيل الجبائية ويحسن ظروف العمل ويحد من الاستغلال.
في المقابل، أثار القرار معارضة قوية من أحزاب اليمين واليمين المتطرف، التي اعتبرته «عامل جذب» للهجرة غير النظامية، واتهمت الحكومة بمحاولة توظيف الملف لأهداف سياسية داخلية.
غير أن السلطة التنفيذية دافعت عن خيارها، مؤكدة أن التسوية لا تعني تشجيع الهجرة، بل تنظيم واقع قائم، وضمان حقوق أساسية لفئة واسعة تعيش وتعمل داخل المجتمع الإسباني منذ سنوات.
وتشير تقديرات إلى أن المهاجرين المغاربة يُرجح أن يكونوا من أبرز المستفيدين من هذا الإجراء، بالنظر إلى حضورهم القوي في قطاعات تعتمد بشكل كبير على اليد العاملة غير النظامية، خصوصاً في مناطق مثل مورسيا وألميريا وكتالونيا.
وتُظهر الإحصاءات الرسمية أن عدد المولودين في المغرب المقيمين بإسبانيا يتجاوز 1.1 مليون شخص، فيما يحمل قرابة مليون شخص الجنسية المغربية، ما يجعلهم من أكبر الجاليات الأجنبية في البلاد.
ومن شأن تسوية الوضعية القانونية أن تتيح لهؤلاء الولوج إلى منظومة الضمان الاجتماعي، وتحسين شروط العمل والأجور، وضمان حرية التنقل، فضلاً عن حماية أكبر من الاستغلال.
ومن المرتقب أن يدخل المرسوم حيز التنفيذ خلال سنة 2026، على أن يُفتح باب إيداع الطلبات خلال فصل الربيع، فيما ستُغلق المنصة المخصصة للعملية الاستثنائية في 30 يونيو (حزيران) 2026، وفق الجدولة الأولية التي أعلنتها الحكومة.
وتعيد هذه الخطوة إلى الأذهان عملية التسوية الواسعة التي أطلقتها حكومة خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو عام 2005، والتي شملت آنذاك أكثر من 500 ألف مهاجر، وشكلت محطة مفصلية في تاريخ سياسة الهجرة الإسبانية.










































