تواصل القدرة الشرائية للمغاربة تصدر النقاش الاقتصادي والاجتماعي خلال سنة 2026، في ظل التغيرات التي تعرفها أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، مقابل الزيادات التي أقرتها الحكومة في الحد الأدنى للأجور. وبين تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية واستمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف السكن والنقل والمعيشة، يطرح سؤال أساسي نفسه: هل أصبحت الأجور قادرة على مواكبة مصاريف الأسر المغربية؟
وتكشف أحدث المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن الأسعار سجلت ارتفاعاً خلال شتنبر 2026 مقارنة بالشهر السابق، رغم بقاء معدل التضخم السنوي في مستوى محدود، وهو ما يعكس تفاوت تطور الأسعار بين مختلف المواد والخدمات.
التضخم في المغرب 2026.. ارتفاع الأسعار خلال شتنبر
وفقاً للمندوبية السامية للتخطيط، سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفاعاً بنسبة 1% خلال شتنبر 2026 مقارنة بغشت من السنة نفسها.
وجاء هذا التطور نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.6%، مقابل زيادة أسعار المواد غير الغذائية بنسبة 0.4%.
وشملت الزيادات الشهرية، على الخصوص، أسعار اللحوم والخضر بنسبة 4.3% لكل منهما، والحليب ومشتقاته والبيض بنسبة 1.6%، فضلاً عن ارتفاع أسعار المحروقات بنسبة 2%.
أما بالمقارنة مع شتنبر 2025، فقد بلغ معدل التضخم السنوي 0.5%، نتيجة ارتفاع أسعار المواد غير الغذائية بنسبة 2.8%، مقابل انخفاض أسعار المواد الغذائية بنسبة 2.5%.
وتبرز هذه الأرقام أهمية التمييز بين الارتفاع الشهري للأسعار وتطورها على أساس سنوي، إذ لا يعني ارتفاع الأسعار خلال شهر معين بالضرورة تسجيل زيادة مماثلة مقارنة بالسنة السابقة.
الحد الأدنى للأجور في المغرب 2026.. زيادة بنسبة 5%
شهد الحد الأدنى القانوني للأجر بالمغرب زيادة جديدة دخلت حيز التنفيذ مطلع سنة 2026، في إطار المقتضيات التنظيمية المتعلقة بالأجور في القطاع الخاص.
وبموجب المرسوم رقم 2.25.983، ارتفع الحد الأدنى للأجر في الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 5%، ليصل إلى 17.92 درهماً عن كل ساعة عمل، ابتداءً من فاتح يناير 2026.
كما تم تحديد الحد الأدنى للأجر في الأنشطة الفلاحية عند 97.44 درهماً عن يوم عمل، ابتداءً من فاتح أبريل 2026.
وتهدف هذه الزيادات إلى تحسين دخل الأجراء المعنيين، غير أن تأثيرها الفعلي على القدرة الشرائية يظل مرتبطاً بتطور الأسعار وبالمصاريف الشهرية التي تتحملها الأسر.
أسعار المواد الغذائية.. لماذا يشعر المواطن بضغط المعيشة؟
رغم تسجيل تراجع سنوي في مؤشر أسعار المواد الغذائية خلال شتنبر 2026، فإن بعض المنتجات عرفت ارتفاعات ملحوظة مقارنة بالشهر السابق.
وتتأثر أسعار الخضر والفواكه واللحوم بعوامل متعددة، من بينها الظروف المناخية، وتكاليف الإنتاج والنقل، وحجم العرض والطلب، فضلاً عن طبيعة الأسواق ومسالك التوزيع.
كما تختلف الأسعار بين المدن والأحياء والأسواق الأسبوعية والمساحات التجارية الكبرى، الأمر الذي يجعل اعتماد سعر موحد لكل مادة على المستوى الوطني غير دقيق.
ولا تقتصر مصاريف الأسر المغربية على المواد الغذائية، بل تشمل أيضاً السكن والكهرباء والماء والنقل والصحة والتعليم، وهي نفقات تؤثر بشكل مباشر على الدخل المتاح للاستهلاك والادخار.
هل تكفي زيادة الأجور لتحسين القدرة الشرائية؟
يرتبط تحسن القدرة الشرائية بالتوازن بين تطور الدخل وتغير الأسعار، وليس فقط بقيمة الزيادة الاسمية في الأجر.
فعندما يرتفع دخل الأجير بنسبة تفوق معدل التضخم الذي يواجهه، يمكن أن تتحسن قدرته الشرائية، بينما قد يتقلص أثر الزيادة إذا ارتفعت نفقات أساسية أخرى بوتيرة أكبر.
كما أن أثر الزيادة يختلف من أسرة إلى أخرى، بحسب عدد أفرادها، ومستوى دخلها، ومكان إقامتها، والتزاماتها المالية.
ولهذا، فإن تقييم القدرة الشرائية للمغاربة يتطلب النظر إلى مجموعة من المؤشرات، تشمل الأجور والأسعار والتشغيل والدخل الحقيقي ونفقات الاستهلاك.
مشروع قانون المالية 2027 والقدرة الشرائية للمغاربة
يتزامن النقاش حول الأجور والأسعار مع تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يشكل الإطار الأساسي لتحديد التوجهات المالية والاقتصادية للدولة خلال السنة المقبلة.
ويعيد هذا المشروع إلى الواجهة قضايا الحماية الاجتماعية، وتمويل الخدمات العمومية، ودعم الفئات المستحقة، وتوفير الموارد الضرورية لتنفيذ السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
غير أن تقييم أثر التدابير المقترحة على القدرة الشرائية يستوجب التمييز بين الاعتمادات والتوجهات المعلنة في مشروع القانون، وبين الإجراءات التي ستدخل حيز التنفيذ بعد استكمال المسطرة التشريعية.
القدرة الشرائية في المغرب.. بين المؤشرات الاقتصادية والواقع اليومي
تعكس معطيات سنة 2026 وضعاً اقتصادياً يتسم بتباين تطور الأسعار، مع تسجيل زيادات قانونية في الحد الأدنى للأجور.
ورغم أن معدل التضخم السنوي المسجل خلال شتنبر ظل محدوداً، فإن التغيرات الشهرية في أسعار بعض المواد الأساسية تبرز استمرار حساسية ميزانية الأسر تجاه تقلبات الأسواق.
ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان انعكاس التحسن الاقتصادي على مستوى معيشة المواطنين، من خلال تعزيز الدخل الحقيقي، وتحسين الخدمات الأساسية، والحد من الضغوط التي تتحملها الأسر المغربية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، يظل السؤال المطروح: إلى أي حد ستنعكس التدابير الاقتصادية والاجتماعية على القدرة الشرائية للمغاربة خلال المرحلة المقبلة؟







