– عبد الرفيع حمضي
عندما استقبل الرئيس الراحل حسني مبارك محافظ البنك المركزي محمود ابو العيون ،
لم يكن يبحث عن سعر جديد للجنيه، ولا عن خطة لمواجهة التضخم بل كان يبحث عن شيء آخر. لقد كلفه بإعداد مشروع قانون يمنح البنك المركزي المصري استقلالية حقيقية عن الحكومة.
وما ان علم بالأمر رئيس الوزراء عاطف عبيد حتى قامت القيامة فتفجرت الخلافات حول حدود القرار النقدي، وحول من يملك الكلمة الأخيرة في القضايا المالية الكبرى. فما كان على المحافظ إلا ان يترك منصبه. أما الفكرة، فقد بقيت. حيث أدركت أغلب دول العالم أن استقرار العملة لا يمكن أن يخضع دائما لمنطق السياسة، وأن حماية الاقتصاد تقتضي وجود مؤسسة قادرة على اتخاذ القرار النقدي بعيدا عن الحسابات اليومية للحكومات.
تذكرت تلك الواقعة وأنا أتابع التقرير الذي قدمه والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري أمام جلالة الملك. لم يكن التقرير مجرد عرض لأرقام التضخم أو النمو أو الاحتياطي من العملة الصعبة، بل كان صورة دقيقة عن الوضعية الاقتصادية للمملكة.
غير أن ما أثار انتباهي لم يكن الأرقام في حد ذاتها، وإنما الجدل الذي يتكرر كلما تحدث الجواهري.
والحال أن بنك المغرب ليس بنكا كباقي البنوك. إنه المؤسسة التي تحرس قيمة الدرهم، وتحافظ على استقرار الأسعار، وتدبر السياسة النقدية، وتبعث برسائل الطمأنينة إلى المستثمرين والأسواق. ولذلك، أصبحت استقلالية البنوك المركزية اليوم من أهم مؤشرات قوة المؤسسات، لأنها تعني أن القرار النقدي يصنعه الخبراء، لا التقلبات السياسية.

لكن الجدل في المغرب لا يتعلق عادة بقرارات البنك، بقدر ما يتعلق بكلام الوالي. فعبد اللطيف الجواهري لا يكتفي بتفسير المؤشرات الاقتصادية، بل يوسع دائرة النقاش لتشمل الاستثمار، والإدارة، والتعليم، وسوق الشغل، وأداء الأحزاب، وجودة الحكامة، ومستوى الثقة في المؤسسات. وهنا تبدأ الأسئلة.
ولعل أكثر تصريحاته إثارة للنقاش، حديثه عن أزمة الثقة، حين قال بلهجته الفاسية التي لم يفقدها. ما كاين الثقة لا في الأحزاب لا الباكور والزعتر .(سحبها في حينه )يومها انشغل كثيرون بالعبارة نفسها أكثر من انشغالهم بالفكرة التي أراد إيصالها. والحال أن الثقة ليست مفهوما سياسيا فقط، بل هي أيضا عنصر اقتصادي أساسي. فلا استثمار دون ثقة، ولا مبادرة دون ثقة، ولا نمو دون ثقة
ولذلك، لم تكن العلاقة بين والي بنك المغرب ورؤساء الحكومات، على اختلافهم، دائما علاقة مريحة. فالحكومة تنظر إلى الاقتصاد من زاوية النمو والتشغيل والقدرة الشرائية ومتطلبات المرحلة، بينما ينظر البنك المركزي إلى التضخم، واستقرار الأسعار، والتوازنات النقدية. وقد يلتقي المنظوران، وقد يختلفان، لكن هذا الاختلاف ليس عيبا، بل هو جزء من التوازن الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد واليا لبنك المغرب يكتفي بقراءة الأرقام، أم نريده أن يقول أيضا ما تكشفه هذه الأرقام؟ فالتضخم لا يولد وحده، والاستثمار لا يتراجع وحده، والثقة لا تختفي من تلقاء نفسها. لكل رقم قصة، ولكل مؤشر سياق، ولكل سياسة نقدية بيئة سياسية ومؤسساتية تؤثر فيها وتتأثر بها.
المفارقة أن الجميع يدرك اهمية استقلالية بنك المغرب، لكن البعض يريده أن يتحدث بما يرضيه. فإذا رفع سعر الفائدة، قيل إنه يخنق الاستثمار. وإذا أبقاها مرتفعة، اتهم بأنه لا يشعر بمعاناة المقاولات. وإذا تحدث بالأرقام، وصف بأنه بعيد عن الواقع. وإذا تجاوز الأرقام إلى تشخيص الواقع، قيل إنه تجاوز اختصاصه. وكأن المطلوب من المؤسسة المستقلة أن تكون مستقلة… ما دامت لا تزعج أحدا.
وبين ما يقال وما لا يقال… لا تقاس قوة البنوك المركزية فقط بما تملكه من أدوات نقدية، بل أيضا بقدرتها على قول الحقيقة الاقتصادية، حتى عندما لا تكون مريحة، لأن استقلالية المؤسسات لا تظهر عندما تصفق لها الحكومات، بل عندما تتحمل سماع ما لا ترغب دائما في سماعه.







































