في ظلّ مخاوف فلاحية متصاعدة، عاد شبح “الحشرة القرمزية” ليخيّم من جديد على موسم جني نبتة الصبّار، أو ما يُعرف محلياً بـ”الهندية”، وسط تحذيرات من فقدان السيطرة على هذه الآفة الزراعية التي تفتك بالمحاصيل وتُهدد القيمة التسويقية والصحية لفاكهة لطالما اعتُبرت رمزاً للريف المغربي وملاذاً غذائياً للفقراء.
ووفق ما أفادت به منظمات مهنية وجمعيات مدنية محلية في مناطق آسفي وتارودانت، فقد رُصدت بوادر إصابة في عدد من الحقول غير المُعالجة، فيما سجلت أسعار “الهندية” هذا الموسم قفزة غير مسبوقة، إذ تراوحت ثمن الحبة الواحدة ما بين 6 و8 دراهم، في سابقة من نوعها في تاريخ المملكة، بعدما كانت لا تتجاوز درهماً واحداً خلال العقد الماضي.
بين الآفة والغلاء
وقال محمد، بائع “الهندية” بسوق شعبي في الدار البيضاء، في تصريح لـ”أشطاري 24″، إن “السبب الرئيسي في هذا الغلاء هو الدمار الذي ألحقته الحشرة القرمزية بمحاصيل الصبّار خلال السنوات الماضية”، مضيفاً أن “الاستخدام المتزايد للثمار في الصناعات التجميلية وإنتاج المربى فاقم من حدة الندرة”.
وفي السياق ذاته، انتقد بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، في تصريح للصحيفة، ما اعتبره “فشلاً حكومياً ذريعاً في وقف زحف الحشرة القرمزية”، مشدداً على أن “إدخال هذه الحشرة إلى المغرب كان فعلاً معتمداً، ويهدف إلى تدمير الثروة الجينية المرتبطة بهذه النبتة”.
وأوضح الخراطي أن الحشرة ظهرت لأول مرة في منطقة سيدي بنور، ولم تتم محاربتها في الوقت المناسب، ما أتاح لها الانتشار من الشمال إلى الجنوب، مُحملاً الحكومة مسؤولية “الاستسلام المبكر” أمام تهديد كان بالإمكان احتواؤه.
أثر عميق على الأمن الغذائي والبيئي
ويقول خبراء زراعيون إن الحشرة القرمزية لا تكتفي بامتصاص عصارة الصبّار، بل تؤثر على التربة وتُسهم في اختفاء أعشاب طبية وحشرات نافعة، وحتى بعض الحيوانات الصغيرة، ما يجعلها تهديداً مركباً للبيئة المحلية والأمن الغذائي في القرى المتضررة.
وفي تصريح لـ«أشطاري 24»، أشار محمد، فلاح متخصص في الفواكه، إلى أن “الأثر البنيوي للحشرة يشلّ النبتة من الداخل، ويجعلها عاجزة عن إنتاج الثمار”. وأوضح أن “الحقول المصابة تُظهر ضعفاً في جودة اللب، وانخفاضاً في نسبة السكريات، إضافة إلى تغيّر لون الثمرة، ما يُفقدها قيمتها التسويقية”.
تساؤلات حول فعالية البدائل
ورغم إعلان وزارة الفلاحة سابقاً عن توصّل المعهد الوطني للبحث الزراعي إلى تطوير 8 أصناف مقاومة للحشرة القرمزية، فإن خبراء يؤكدون أن نتائج هذا المجهود العلمي لن تُترجم ميدانياً إلا بعد خمس سنوات أو أكثر، مما يعني أن الأزمة ستستمر في التأثير على أسعار “الهندية” ومردودية إنتاجها.
وفي هذا السياق، يرى الخراطي أن عملية توزيع هذه الأصناف البديلة على التعاونيات “شابتها محسوبية”، محذّراً من أن تعويض التنوع الجيني الطبيعي بنماذج هجينة سيُفقد المغرب أحد كنوزه الزراعية.
ويطالب الخراطي، ومعه فاعلون آخرون في القطاع الفلاحي، بفتح تحقيق مستقل لتحديد المسؤوليات بشأن إدخال الحشرة القرمزية إلى المغرب، مؤكداً أن “من فعل ذلك خائن للوطن”، وأنه “لو حصل ذلك في دولة تحترم سيادتها الزراعية، لأُحيل المتسبب إلى المحاكمة”.
وبينما تلوح في الأفق بوادر موسم “مرّ” لهذه الفاكهة الصيفية الشهيرة، يبقى السؤال قائماً حول مدى قدرة الحكومة على إنقاذ ما تبقى من هذه الثروة الطبيعية، قبل أن يتحول “الصبّار” من رمز شعبي إلى ترف نخبوي لا يقدر عليه إلا القلّة.










































