*بقلم* : فؤاد بوجبير
باحث في علوم الإدارة (التدبير العمومي)
*- مقدمة* : من الرؤية السياسية إلى امتحان التنفيذ.
في العلوم السياسية المعاصرة، شهد مفهوم الحكامة تحولًا عميقًا؛ إذ لم يعد يقتصر على قدرة السياسيين في السلطة على سنّ القواعد، بل أصبح يُقاس بمدى قدرتهم على إحداث آثار حقيقية وقابلة للقياس في حياة المواطنين. فتدبير الشأن العام و شؤون المواطنين لم يعد مجرد قرار، بل أصبح فعلًا يُترجم في الواقع اليومي ما يُعلَن في الخطابات.
يُعيد هذا التحول النظري وضعَ مسألة التنفيذ في قلب الشرعية السياسية؛ إذ لا تُقاس السياسة العمومية بحسن نواياها، بل بقدرتها الفعلية على إحداث تغيير مستدام في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمجالية على أرض الواقع. وعندما يتعثر التنفيذ، تفقد الإصلاحات جوهرها، وتتآكل مصداقية الخطاب السياسي العمومي.
ويُعدّ المغرب، في هذا السياق، مجالًا تحليليًا بالغ الدلالة. فمن جهة، هناك فلسفة ملكية واضحة، قوية، متماسكة وثابتة، يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تقوم على سياسة القرب الحقيقي، والإنصاف المجالي، وإعطاء الأولوية المطلقة للمناطق النائية والجبلية والهامشية، بغضّ النظر عن حجم المدن أو جاذبية المجالات. ومن جهة أخرى، تُسجَّل لدى بعض الفاعلين السياسيين المكلَّفين بتدبير الشأن العام ممارساتٌ يغلب عليها في كثير من الأحيان تضخّمٌ معياري وحكامةٌ إجرائية، في مقابل ضعفٍ واضح في التحويل الفعلي لهذه المقاربات إلى منجزات ميدانية ملموسة.
يسعى هذا المقال إلى تقديم تحليل نقدي لهذا الفارق البنيوي والمستمر، مع تحميل المسؤولية السياسية بشكل صريح للسياسيين في السلطة عن عدم التفعيل الفعلي للرؤية الملكية.
– *أولًا* : الفلسفة الملكية للقرب – تصور صارم ومتجسّد للعمل العمومي.
ترتكز الفلسفة الملكية على مبدأ جوهري مفاده أن الشرعية السياسية تُبنى من خلال الاحتكاك المباشر بالواقع الاجتماعي. فهي لا تكتفي بالخطاب الإصلاحي ولا بتراكم الأطر القانونية، بل تشترط نتائج ملموسة، ظاهرة في الحياة اليومية، قابلة للقياس داخل المجالات، ومستدامة عبر الزمن. هذا التصور يقطع مع الرؤية التجريدية للحكامة، ويضع المواطن الحقيقي، المتموضع داخل مجال ترابي محدد، في قلب الفعل العمومي. فالجبل المعزول، والدُّوار البعيد، والحيُّ الهامشي، لم تعد مجرّد هوامش إحصائية، بل أضحت فضاءاتٍ مركزية يُقاس من خلالها الأداء السياسي ويُختبر صدقه.
وتتقاطع هذه المقاربة مباشرة مع نظرية التنمية بالقدرات التي صاغها الاقتصادي والفيلسوف الهندي أمارتيا سِن، والتي ترى أن السياسة العمومية لا تكون ذات معنى إلا إذا وسّعت فعليًا الحريات الحقيقية للأفراد : العلاج، التنقل، التعلّم، ممارسة الرياضة، لعب كرة القدم، العمل، والمشاركة. فالقرب ليس جغرافيًا فقط، بل هو اجتماعي ووظيفي وسياسي.
غير أن هذا المطلب يقتضي انضباطًا صارمًا في التنفيذ، وحضورًا دائمًا في الميدان، لا يقتصر على فترات ما قبل الانتخابات، إضافة إلى ثقافة حقيقية للنتائج، وهي عناصر يعجز السياسيون في السلطة، عمليًا، عن تبنّيها بشكل كامل.
*- ثانيًا* : السياسيون في السلطة وانزلاق الحكامة نحو منطق النص
من أبرز سمات ممارسة السياسيين في السلطة وجود خلط بنيوي بين الإصلاح والإنتاج المعياري. فالحكم يتحول تدريجيًا إلى تمرين في الصياغة : قوانين، مراسيم، استراتيجيات، مخططات، خرائط طريق. ويختزل الفعل السياسي في الفعل القانوني. وهذا الانزلاق ليس جديدًا؛ فقد نظّر له منذ مطلع القرن العشرين عالم الاجتماع ماكس فيبر، حين اعتبر أن الإفراط في البيروقراطية يسمح للفاعلين السياسيين بالاحتماء خلف المسطرة، مع تمييع المسؤولية السياسية. فحين يكون كل شيء مؤطرًا، لا يُنسب الفشل إلى القرار السياسي، بل يُحال على اعتبارات إدارية أو تقنية أو ظرفية.
في المغرب، تفرز هذه المقاربة مفارقة مقلقة، إذ يفاخر السياسيون في السلطة بنشاط إصلاحي مكثف، في الوقت الذي يظل فيه الأثر الاجتماعي الحقيقي مجزأً، وغير متكافئ، وغالبًا غير كافٍ، و في بعض المناطق النائية غير ملموس نهائيا، لا سيما في المجالات التي تضعها الفلسفة الملكية في صلب الأولويات. وهكذا، يغدو الإصلاح سردية أكثر منه مسارًا للتحول الفعلي.
*- ثالثًا* : الميدان معيار التقييم السياسي الحاسم.
تفرض الفلسفة الملكية معيارًا بسيطًا وواضحًا
بقدر ما هو صارم: الميدان. حيث ينتهي الخطاب، يبدأ الواقع. وحين يتجه التحليل نحو المناطق النائية والجبلية والأحياء الهامشية، يصبح التشخيص قاسيًا.
فالولوج إلى العلاج ما يزال هشًا في العديد من المناطق المعزولة. والمدرسة العمومية، سواء في هوامش المدن أو في المجالات القروية والجبلية، تعجز عن أداء دورها كرافعة للترقي الاجتماعي. وحتى حين تتوفر البنيات التحتية، فإنها لا تُواكَب دائمًا بخدمات عمومية فعالة ولا بفرص اقتصادية مستدامة.
وتجسد هذه الوضعية الآليات التي حلّلها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، حيث تميل السياسات العمومية، في غياب سياسات تصحيحية قوية، إلى إعادة إنتاج اللامساواة المجالية بدل تقليصها. فالسياسيون في السلطة يزورون الميدان في بعض الاحيان، لكنهم يواصلون حكمه من المركز، بعيدًا عن القيود اليومية التي يعيشها المواطنون.
*- رابعًا* : العدالة المجالية والمسؤولية السياسية للحكّام.
العدالة المجالية ليست معطى تقنيًا، بل خيار سياسي. ويُعدّ المبدأ الذي صاغه الفيلسوف جون رولز، والقاضي بأن السياسة العادلة هي التي تُحسّن أولًا وضع الفئات الأكثر هشاشة، أداة تحليلية مركزية لتقييم الفعل العمومي.
وعند اختبار السياسات الاجتماعية وفق هذا المبدأ، يتبيّن أن جزءًا مهمًا منها يعاني اختلالًا بنيويًا. فالمجالات الأكثر تنظيمًا تستفيد بسرعة أكبر من الإصلاحات، بينما تتراكم في المناطق النائية التأخيرات والتناقضات والاختلالات.
ولا يمكن اختزال هذا الخلل في مجرد عطب تقني أو إداري، بل يعكس نقصًا في المسؤولية السياسية على مستوى ترتيب الأولويات، والتنسيق بين القطاعات، وتتبع التنفيذ الميداني.
*- خامسًا* : حكامة مركزية وتباعد عن المواطن الحقيقي
إن استمرار هذا الفارق يكشف توترًا بنيويًا بين حكامة مركزية مهووسة بالمطابقة الإدارية، وفلسفة ملكية قائمة على القرب الحقيقي. فكلما حكم السياسيون من مراكز القرار، ازداد تهميش المواطن القاطن في الأطراف. وهذا التهميش ليس محايدًا؛ إذ يُنتج إحساسًا بالإقصاء، ثم فقدان الثقة. فحيثما لا تتجسد السياسة، تتآكل الثقة. وحيثما لا تُترجَم الوعود إلى أفعال، تضعف الشرعية.
وعليه، فالقرب ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا من شروط البقاء السياسي.
*- سادسًا* : اتساع الفجوة بين الرؤية الملكية والممارسة الحكومية.
تشكل الفجوة بين الفلسفة الملكية وممارسات السياسيين في السلطة اليوم رهانًا سياسيًا محوريًا. فكلما اتسعت هذه الهوة، ازدادت هشاشة مصداقية الفعل العمومي ككل. فمواطنو المناطق النائية لا يُشككون في الرؤية المتبناة على أعلى مستوى، بل يتساءلون عن قدرة، وأحيانًا إرادة، المسؤولين السياسيين في ترجمتها إلى أفعال ملموسة. وهذا الانفصال بين الرؤية والتنفيذ مكلف سياسيًا، لأنه يضعف الرابط بين الحكامة والشرعية.
– *خاتمة* : نحو إعادة تمركز سياسي حول الواقع.
يقود هذا التحليل إلى خلاصة لا لبس فيها : إن العائق الرئيسي أمام التفعيل الفعلي لسياسة القرب في المغرب لا يكمن لا في الرؤية ولا في ندرة الموارد، بل في ممارسات السياسيين في السلطة، التي ما تزال خاضعة لمنطق حكامة النص والخطاب.
إن المصالحة بين الفلسفة الملكية وواقع الميدان تقتضي إعادة تمركز جذرية للفعل العمومي حول ثلاثة مرتكزات أساسية :
*/ الإلزام بنتائج ملموسة،
*/ إعطاء أولوية فعلية للمجالات المهمشة،
*/ وترسيخ المسؤولية السياسية المباشرة للمسؤولين السياسيين عن الشأن العام، في الفشل كما في النجاح.
فما دامت النجاعة تُقاس بعدد النصوص المنتَجة بدل عدد أنماط الحياة الكريمة التي تحسّنت، ستظل سياسة القرب مبدأً مُعلَنًا أكثر منها واقعًا مُعاشًا.










































