تضع مخرجات القمة الإفريقية الروسية الثالثة جبهة البوليساريو أمام تساؤلات جديدة بشأن حدود تحركاتها الدبلوماسية، في ظل حسابات موسكو القائمة على المصالح الاستراتيجية وعلاقاتها مع الدول.
تفرض التحركات الروسية في القارة الإفريقية قراءة واقعية لطبيعة العلاقات التي تسعى موسكو إلى بنائها مع شركائها، بعيدا عن التأويلات السياسية التي تحاول بعض الأطراف توظيفها لخدمة أجنداتها. فروسيا، التي تعمل على توسيع نفوذها الاقتصادي والأمني في إفريقيا، تبدو معنية بالدرجة الأولى بتعزيز علاقاتها مع الدول التي تتيح لها شراكات عملية ومصالح متبادلة.
وفي هذا السياق، تبرز العلاقة الروسية المغربية باعتبارها أحد الملفات التي تستحق المتابعة، بالنظر إلى ما يربط البلدين من مصالح اقتصادية وسياسية، وإلى المقاربة التي اعتمدتها الرباط في تعاملها مع التطورات الدولية، بما فيها الحرب الروسية الأوكرانية.
وتكشف هذه المعطيات عن الفارق بين العلاقات الدبلوماسية التي تقوم على المصالح والاتفاقيات، وبين محاولات استثمار اللقاءات السياسية أو المواقف البروتوكولية لتقديم انطباعات بشأن وجود تحالفات استراتيجية. فمجرد التواصل أو المشاركة في تظاهرة دولية لا يعني بالضرورة أن الدولة المعنية تتبنى مواقف الطرف الآخر أو تدعم توجهاته السياسية.
وبالنسبة إلى جبهة البوليساريو، فإن الرهان على موسكو باعتبارها حليفا محتملا في ملف الصحراء يظل مرتبطا بما يصدر عن الموقف الروسي الرسمي من مؤشرات واضحة، وليس بما يروج له في الخطاب الإعلامي أو عبر قراءات سياسية غير مدعومة بمواقف معلنة.
كما يعيد النقاش حول الحضور الإفريقي للجبهة طرح أسئلة بشأن مدى قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى مكاسب دبلوماسية فعلية، خصوصا أن الانتماء إلى منظمة إقليمية أو المشاركة في بعض الأنشطة الدولية لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على اعتراف دولي شامل أو ضمانة لتحقيق الأهداف السياسية المعلنة.
وفي المقابل، يواصل المغرب التمسك بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أساسا لتسوية النزاع حول الصحراء، في وقت تتواصل فيه التحركات الدبلوماسية الدولية بشأن هذا الملف. غير أن تقييم مواقف القوى الكبرى يظل رهينا بالتصريحات الرسمية والقرارات المعلنة، وليس بمجرد الاستنتاجات المرتبطة بلقاءات أو صور متداولة.
وتبقى **«دبلوماسية الصور»** إحدى الظواهر التي تستدعي التمييز بين الظهور الإعلامي والمكاسب السياسية الحقيقية؛ فالمصافحات واللقاءات البروتوكولية قد تحمل رسائل رمزية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تغيير في مواقف الدول أو نشوء تحالفات جديدة.
وبين حسابات المصالح الدولية ومحاولات توظيف الرمزية الدبلوماسية، يظل الرهان الحقيقي لأي طرف هو قدرته على ترجمة تحركاته إلى مواقف رسمية واتفاقيات ومكاسب ملموسة، وهي معايير تظل أكثر أهمية من الخطابات السياسية أو القراءات التي لا تسندها أدلة واضحة.







