في سياق عالمي يتسم بإعادة تشكل التحالفات الجيوسياسية، عادت وزارة الخارجية الأمريكية لتؤكد، عبر تقرير نُشر على منصتها الرسمية ShareAmerica، على عمق العلاقات المغربية الأمريكية، واصفة إياها بأنها “من أقدم وأمتن الشراكات في التاريخ الدبلوماسي للولايات المتحدة”.
تقرير غني بالمعطيات أعاد تسليط الضوء على محطات مفصلية، جسدت كيف تحول المغرب من أول دولة اعترفت باستقلال أمريكا إلى شريك استراتيجي موثوق في الأمن، والتجارة، والدبلوماسية الإقليمية.
اعتراف مبكر وشراكة ممتدة
في دجنبر 1777، قرر السلطان محمد الثالث السماح للسفن الأمريكية بولوج الموانئ المغربية، في خطوة سيادية جعلت من المغرب أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة بعد انفصالها عن التاج البريطاني. مبادرة تمخضت لاحقاً عن توقيع معاهدة السلام والصداقة سنة 1786، التي لا تزال أقدم اتفاق ثنائي ساري المفعول في السياسة الخارجية الأمريكية.
ولم يكن هذا الاعتراف الرمزي مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل أسس لانطلاقة قنوات التواصل بين الرباط وواشنطن، حيث خُصص أحد أجمل المباني في طنجة كمقر لأول قنصلية أمريكية خارج الأراضي الأمريكية سنة 1821، وهو اليوم متحف يوثق لهذه العلاقة العريقة.
من الحرب العالمية إلى محاربة الإرهاب
تقرير الخارجية الأمريكية توقف عند محطات التعاون العسكري، مذكّراً بالدور الذي لعبه المغرب خلال الحرب العالمية الثانية، واحتضانه لـالقوات الأمريكية ضمن عملية “الشعلة” سنة 1942 لتحرير شمال إفريقيا. هذا الإرث العسكري المشترك توسع في العصر الحديث ليشمل مناورات “الأسد الإفريقي” السنوية، والتي تُعد من أضخم التدريبات العسكرية في إفريقيا.
كما يشكل المغرب اليوم ركيزة في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، خاصة في منطقة الساحل والصحراء، حيث يُنظر إليه كدولة مستقرة بقدرات أمنية واستخباراتية فعالة.
شراكة اقتصادية مزدهرة
على الصعيد الاقتصادي، بلغ حجم التبادل التجاري بين المغرب والولايات المتحدة أكثر من 7 مليارات دولار سنة 2024. هذا النمو يعززه اتفاق التبادل الحر الموقع في 2006، وهو الأول من نوعه بين واشنطن ودولة إفريقية، ويتيح للمغرب امتيازات كبيرة في ولوج السوق الأمريكية، خصوصاً في قطاعات النسيج، والصناعات الزراعية، والطيران، والسيارات.
وباتت المملكة اليوم واحدة من الوجهات المفضلة للاستثمارات الأمريكية في إفريقيا، بفضل استقرارها السياسي، وبناها التحتية المتطورة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط الذي صار منصة لوجستيكية لتصدير المنتجات نحو القارة الإفريقية.
قضية الصحراء وموقف واشنطن الثابت
سياسياً، شكلت لحظة اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء في ديسمبر 2020 نقطة تحول جوهري في الملف، إذ أكدت الولايات المتحدة على دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرة إياها “حلاً واقعياً وجاداً” للنزاع المفتعل. ومن اللافت أن إدارة الرئيس جو بايدن لم تتراجع عن هذا الموقف، ما يعكس توافقاً أمريكياً عابراً للإدارات بشأن دعم المغرب.
كما أن انخراط المغرب في اتفاقيات أبراهام وإعادة علاقاته مع إسرائيل بدعم أمريكي، شكل لبنة جديدة في بناء محور استقرار إقليمي تلعب فيه الرباط دور الوسيط والفاعل المسؤول.
“صديق قديم وشريك موثوق”
تقرير الخارجية الأمريكية يُعيد التذكير بأن المغرب ليس مجرد حليف استراتيجي بل “صديق قديم”، يتمتع بمصداقية دبلوماسية وجاذبية جيوسياسية. ومع اقتراب احتفال الولايات المتحدة بذكرى 250 سنة على استقلالها في 2026، يتجدد الحضور المغربي داخل خريطة تحالفاتها العالمية، في مقابل جمود دبلوماسي لجيران إقليميين، خاصة الجزائر، التي فشلت في بناء علاقة مماثلة مع واشنطن بسبب ارتباطاتها بمحاور مناوئة لاستقرار المنطقة.










































