– عبد الرفيع حمضي
هناك مفارقة لافتة في عالم اليوم.
فالدول الغنية تحتاج إلى المهاجرين أكثر من أي وقت مضى، واقتصاداتها تعاني من الشيخوخة ونقص اليد العاملة، وتقارير المؤسسات المالية الدولية تتحدث عن الهجرة باعتبارها ضرورة للتنمية والنمو. ومع ذلك، لم يسبق أن استثمرت هذه الدول كل هذا الجهد السياسي والقانوني والأمني للحد من الهجرة كما تفعل اليوم.
آخر فصول هذه المفارقة جاء من بروكسيل يوم 17 يونيه 2026 حيث صادق البرلمان الأوروبي على نظام جديد يتيح للدول الأعضاء إمكانية إنشاء مراكز لإيواء المهاجرين الصادرة في حقهم قرارات بالإبعاد خارج أراضي الاتحاد الأوروبي. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد تعديل قانوني أو إجراء تقني يتعلق بتدبير الهجرة. غير أن ما يجري في الواقع أعمق من ذلك بكثير.

فالقرار الأوروبي لا يتعلق فقط بكيفية إعادة المهاجرين، بل يعكس تحولا تدريجيا في طريقة تعامل دول الشمال مع إحدى أكثر الظواهر الإنسانية قدما واستمرارا في التاريخ. فبدل البحث عن سبل أكثر أمنا وتنظيما لتدبير التنقل البشري، يتجه النقاش أكثر فأكثر نحو كيفية إبعاد المهاجرين عن المجال السياسي والقانوني الأوروبي نفسه.
ومن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
فالعالم يتحدث اليوم عن الهجرة أكثر مما تحدث عنها في أي وقت مضى، لكنه لم ينجح بعد في بناء منظومة دولية متماسكة لحمايتها. ويكفي التذكير بأن المنظمة الدولية للهجرة لم تصبح جزءا من منظومة الأمم المتحدة إلا سنة 2016. أما الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، فما تزال خارج دائرة المصادقة لدى أغلب الدول الكبرى المستقبلة للهجرة.
وفي المقابل، تؤكد تقارير البنك الدولي أن الهجرة لم تعد مجرد قضية اجتماعية أو إنسانية، بل أصبحت ضرورة اقتصادية وديمغرافية بالنسبة لعدد من الدول التي تواجه تحديات مرتبطة بسوق الشغل وتراجع معدلات الولادة وارتفاع نسبة الشيخوخة.
هذا التناقض بين الحاجة إلى المهاجرين والخوف منهم هو الذي يفسر جزءا كبيرا من الارتباك الذي يطبع السياسات العمومية في هذا المجال.
واليوم، لا أحد يعرف على وجه الدقة أين ستقام هذه المراكز ولا ما هي الدول التي ستقبل باستضافتها. لكن من الواضح أن الأنظار تتجه نحو دول الجنوب، وخاصة في إفريقيا. وستجد بعض الحكومات نفسها أمام إغراءات مالية أو اعتبارات جيوسياسية قد تدفعها إلى القبول بأدوار جديدة في تدبير الهجرة الدولية.
والمفارقة أن إفريقيا تُقدَّم في كثير من الأحيان في الخطاب السياسي والإعلامي الأوروبي باعتبارها مصدراً رئيسياً للهجرة نحو الشمال، في حين أن ما يقارب أربعة أخماس الهجرة الإفريقية تتم داخل القارة نفسها. فمعظم الأفارقة الذين يغادرون بلدانهم لا يتجهون إلى أوروبا، بل إلى دول إفريقية أخرى بحثاً عن العمل أو الأمن أو فرص العيش.
وتزداد هذه المفارقة وضوحاً عندما نتذكر أن القارة التي استنزفت ثرواتها الطبيعية لعقود طويلة خلال الحقبة الاستعمارية تجد نفسها اليوم أمام نزيف من نوع آخر. فالدول التي كانت تتنافس بالأمس على الموارد الطبيعية الإفريقية تتنافس اليوم على الموارد البشرية للقارة. الأطباء والمهندسون والباحثون والخبراء الأفارقة أصبحوا هدفاً لسياسات استقطاب منظمة توفر أفضل شروط العمل والإقامة والحياة. وهكذا، بينما يُنظر بقلق إلى جزء من الهجرة القادمة من الجنوب، تتسابق الدول نفسها لاستقطاب جزء آخر منها عندما يتعلق الأمر بالكفاءات التي تحتاجها اقتصاداتها وأسواقها.
غير أن السؤال الأهم ليس أين ستقام هذه المراكز، بل كيف ستعمل.
من سيراقبها؟ ومن سيضمن احترام الحقوق الأساسية للأشخاص الموجودين بها؟ وما هي الجهات القضائية أو المؤسسات المستقلة التي ستتمكن من الولوج إليها وممارسة الرقابة عليها؟
فالتجارب الدولية علمتنا أن الخطر لا يبدأ عندما تقع الانتهاكات، بل عندما تصبح آليات الرقابة والمساءلة أضعف من أن تمنعها.
لهذا لا يتعلق النقاش اليوم بحق الدول في حماية حدودها، فذلك حق مشروع ومعترف به. بل يتعلق بالخوف من ان تصبح هذه المراكز، فضاءات استثنائية تتراجع فيها الحماية القانونية وتضعف فيها إمكانية المراقبة والمحاسبة.
وربما لهذا السبب بالذات بدأ بعض المدافعين عن حقوق الإنسان يتحدثون عن «شبح غوانتانامو». لأن التاريخ يعلمنا أن الاستثناءات القانونية تبدأ دائماً صغيرة ومؤقتة، ثم تتحول شيئاً فشيئاً إلى واقع دائم.
وبين حاجة العالم إلى الهجرة، وخوف جزء من العالم من المهاجرين، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور حول عبور الحدود، بل حول الحفاظ على الحقوق بعد عبورها.ح
وبين ما يقال وما لا يقال… تبقى اليقظة أفضل من الندم.








































