قبل سنوات قليلة فقط، كانت بشرى كربوبي تمثل نموذجاً للحكمة المغربية والعربية التي كسرت حاجز الصورة النمطية، وهي تدير مباريات في أعلى المستويات القارية والدولية، وتصل إلى أضواء نصف نهائي الألعاب الأولمبية، في مشهد جعلها محط تقدير واسع داخل الأوساط الرياضية. لكن، بين تلك القمة وذلك المجد، وبين وضعها الحالي في القسم الثاني من البطولة الوطنية، مسافة شاسعة تختزل تراجعاً مقلقاً وطرحاً لأسئلة كثيرة حول ما وقع فعلاً للحكمة الدولية.
من المؤسف أن التحكيم، شأنه شأن كل مهنة دقيقة، لا يحتمل التراجع المفاجئ ولا الغياب عن التركيز. كربوبي التي كانت تضرب بها الأمثال في الحزم والدقة، صارت اليوم عنواناً للجدل في أغلب المباريات التي تديرها. لم تعد صافرتها تُطمئن الفرق، بل أصبحت تُثير احتجاجاتها، حتى في مباريات من القسم الثاني، حيث يفترض أن الخبرة الدولية تصنع الفارق لا أن تزيد الغموض.
التراجع في الأداء لم يبدأ اليوم، بل كانت بوادره واضحة منذ “الشان”، حين أثارت إحدى قراراتها التحكيمية ضجة كبيرة، وتلتها موجة انتقادات أعقبت إبعادها من معسكر حكام كأس إفريقيا. منذ تلك اللحظة، بدا أن كربوبي فقدت شيئاً من الثقة بالنفس، وبدأت تدخل دوامة من الضغط النفسي والأداء المرتبك، وهي أخطر مرحلة يمكن أن يعيشها حكم دولي.
تاريخ التحكيم مليء بأمثلة مشابهة، حيث قادت الضغوط والتدقيق المفرط في الأخطاء إلى انهيار مسارات واعدة. وربما ما تعيشه كربوبي اليوم هو نتيجة تداخل عوامل عديدة: غياب الدعم النفسي والتأطير، ضعف بيئة التحكيم المحلية، وربما أيضاً سوء تدبير لمسارها من طرف المديرية الوصية، التي لم تحسن التعامل مع رمز من رموز التحكيم النسوي المغربي.
الواقع الآن أن بشرى كربوبي تسير في مسار تنازلي واضح. حضورها في مسابقات كبرى بات مقتصراً على غرفة الـVAR، بعدما كانت تُدير النهائيات من داخل المستطيل الأخضر. ووفق المعطيات المتداولة، فإن مستقبل شارتها الدولية أصبح مهدداً، وهو تطور مؤسف إذا تحقق، لأنه يعني خسارة المغرب لحكمة كانت واجهة مشرفة للتحكيم الوطني.
لكن ما يزال الأمل قائماً. فالتحكيم، مثل الرياضة نفسها، يمنح فرصة للعودة إذا توفرت الإرادة والعزيمة. المطلوب اليوم من كربوبي أن تواجه الواقع بشجاعة، أن تعيد بناء تركيزها وثقتها بنفسها، وأن تجد حولها من يساعدها لا من يوجه أصابع الاتهام فقط. فالسقوط ليس عيباً، لكن الاستسلام له هو ما يقتل المسيرة نهائياً.
بشرى كانت يوماً من رموز التحكيم النسائي الإفريقي. أن تعود إلى مكانتها ممكن، لكن بشرط أن تُعيد اكتشاف ذاتها، وتدرك أن الشارة الدولية لا تمنح فقط بالإنجازات، بل تُصان بالثبات والانضباط والقدرة على النهوض بعد كل سقوط.










































