لم تعد تداعيات الارتفاع القياسي لأسعار الذهب مقتصرة على الأسواق العالمية وحركة الاستثمار في المعادن النفيسة، بل امتدت إلى الغابات الإفريقية التي تواجه موجة متصاعدة من الاستغلال غير القانوني، في ظل سعي المنقبين إلى الاستفادة من الأرباح التي يتيحها ارتفاع قيمة المعدن الأصفر. وتجد عدة دول في غرب ووسط إفريقيا نفسها أمام تحد متشابك، يجمع بين حماية البيئة ومواجهة التهريب والحفاظ على مواردها الاقتصادية.
وتقدم غانا صورة واضحة عن حجم هذه الأزمة. فبصفتها أكبر منتج للذهب في إفريقيا، أصبحت البلاد في مواجهة متزايدة مع أنشطة التنقيب غير المرخص، التي اكتسبت زخما إضافيا بعدما ارتفع سعر الأونصة من نحو 2500 دولار في أكتوبر 2024 إلى أكثر من 4100 دولار. ويبدو أن هذا التحول في الأسعار انعكس بشكل مباشر على الضغط الذي تتعرض له المساحات الغابوية، إذ فقدت البلاد حوالي 350 كيلومترا مربعا من غاباتها خلال سنة 2025، مقابل متوسط سنوي يقل عن 150 كيلومترا مربعا خلال السنوات العشر السابقة، بحسب بيانات التقرير العالمي لتغير الغابات.
وتتجاوز خطورة هذه الأنشطة مساحة الأشجار التي يجري تدميرها، إذ ترتبط عمليات استخراج الذهب باضطراب التوازن الطبيعي وتلوث المياه والتربة بالزئبق، فضلا عن الأضرار التي تلحق بالمناطق المعروفة بتنوعها البيولوجي. كما أن انتشار مواقع التنقيب خارج المراقبة الرسمية يجعل احتواء هذه الأضرار أكثر صعوبة، خصوصا عندما تتداخل الأنشطة الحرفية مع شبكات الاتجار غير المشروع بالمعادن.
وخلال المنتدى الحكومي الدولي المعني بالتعدين والمعادن والتنمية المستدامة، الذي احتضنته جنيف، سلط الناشطان الإفريقيان داريل بوسو وسيلاس سياكور الضوء على انعكاسات هذه الظاهرة. وفي غانا، ساهمت حملة قادها بوسو في إلغاء قانون صدر سنة 2025 كان يسمح بالتعدين داخل محميات غابوية ذات أهمية بيئية، في خطوة تعكس الصراع القائم بين المصالح المرتبطة باستغلال الثروات المعدنية ومتطلبات حماية المجال الطبيعي.
وتظهر معطيات أخرى أن المشكلة تحولت إلى عبء اجتماعي واقتصادي واسع. فدراسة أنجزها مركز أبحاث الغابات في غانا رصدت انتشار التعدين الحرفي غير القانوني في 120 مقاطعة من أصل 261، مع تأثر أكثر من مليون شخص بهذه الأنشطة. وترى أليسيا بوليدورو، المؤلفة الرئيسية للتقرير، أن تراجع الغطاء الغابوي يهدد مصادر عيش السكان، ويزيد اعتمادهم على الأنشطة الاستخراجية، بما قد يعمق دائرة الاستنزاف بدل توفير تنمية مستقرة للمناطق المعنية.
وتتحمل خزينة الدولة بدورها تكلفة هذه الممارسات، إذ تقدر السلطات الغانية الخسائر الناتجة عن تجارة الذهب غير المصرح بها بنحو مليار دولار من الإيرادات الضريبية. ويعني ذلك أن جزءا من الثروة المستخرجة لا يتحول إلى موارد عمومية، بل يمر عبر قنوات يصعب إخضاعها للمراقبة والجباية، وهو ما يضعف قدرة الدولة على الاستفادة من ارتفاع أسعار الذهب.
ولا تتوقف المخاطر عند الحدود الغانية. ففي ساحل العاج، كشفت دراسة لجامعة كامبريدج نُشرت سنة 2025 عن توسع سريع لأنشطة التعدين على حساب الغابات. وفي الكونغو، تواجه الغابات المطيرة بمنطقة سانغا ضغوطا متزايدة نتيجة انتشار معدات الحفر شبه الصناعية، بينما رصد تقرير لمنظمة «أفرووتش» صدر في مارس تسارعا في تدهور غابات ميومبو بجمهورية الكونغو الديمقراطية. وتؤكد هذه المؤشرات أن الظاهرة تتجاوز حالات محلية متفرقة، لتطرح تحديا بيئيا يمتد عبر مناطق واسعة من القارة.
أما في ليبيريا، فتستحضر التحذيرات التجربة المريرة التي ارتبط فيها استغلال الموارد الطبيعية بالصراع المسلح. فقد استُخدمت، خلال عهد الرئيس السابق تشارلز تايلور، عائدات قطع الأشجار بصورة غير قانونية في تمويل الحرب الأهلية، ما دفع الأمم المتحدة إلى فرض حظر على صادرات الأخشاب الليبيرية. ويعيد هذا المثال طرح التساؤلات بشأن قدرة شبكات الاتجار غير المشروع بالموارد على استغلال ضعف الرقابة وتوظيف الأرباح في أنشطة تتجاوز الجانب الاقتصادي.
وتكتسي حماية الغابات الليبيرية أهمية إضافية بالنظر إلى دورها في الحد من التغير المناخي. فالمعطيات الواردة في التقرير تشير إلى أنها تختزن نحو 1.5 غيغا طن من الكربون، وهي كمية تعادل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في سويسرا على مدى 45 عاما. ومن شأن استمرار تراجع هذه المساحات أن يضعف قدرة الطبيعة على امتصاص الكربون، ويزيد الأعباء البيئية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الحفاظ على الغابات الاستوائية.
وفي الجانب الأمني، يثير انتقال الذهب المستخرج خارج الأطر القانونية مخاوف من إمكانية توظيفه ضمن شبكات غير مشروعة ذات امتدادات إقليمية. غير أن التقرير لا يقدم أدلة تثبت وجود علاقة مباشرة بين الذهب غير القانوني القادم من غانا وتمويل الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل، وإن كان لا يستبعد احتمال ظهور مثل هذه الروابط.
وأمام اتساع الظاهرة، جعلت السلطات الغانية محاربة التعدين غير القانوني أولوية منذ يناير 2025، فيما يرتقب عقد مؤتمر في أكرا نهاية أكتوبر الجاري، بمشاركة فاعلين في مختلف مراحل إنتاج الذهب وتداوله، لبحث سبل الحد من إزالة الغابات والتخفيف من الأضرار الناجمة عن التنقيب غير المرخص.
وتكشف هذه التطورات أن ارتفاع أسعار الذهب، رغم ما يوفره من فرص اقتصادية، قد يتحول إلى عامل ضغط خطير عندما يغيب التنظيم وتضعف المراقبة. فالتحدي لا يتعلق بمنع استغلال الثروات المعدنية بقدر ما يرتبط بضمان استخراجها في إطار قانوني يحمي الغابات، ويصون حقوق السكان، ويحول العائدات إلى مكاسب فعلية للدول الإفريقية، بدل أن تنتهي الأرباح في قنوات غير مشروعة بينما تتحمل البيئة والمجتمعات المحلية كلفة الاستنزاف.








