*[من مأساة آسفي إلى الاختلال البنيوي في الحكامة الترابية : قراءة في التخلي عن المصلحة العامة، وتبديد المسؤوليات، وفشل الجماعات الترابية في حماية الحياة الإنسانية]*
– *بقلم* : فؤاد بوجبير، باحث في علوم الإدارة (التدبير العمومي)
*مقدمة* : *حين تكشف الطبيعة أعطاب السياسة*
إن التساقطات المطرية القوية التي يعرفها المغرب، والحمد لله، تُعد في حد ذاتها نعمة في بلد يعاني بنيويًا من الإجهاد المائي. غير أنّ الأمطار، حين تتحول إلى مرادف للمآسي وفقدان الأرواح واضطراب المجال الترابي، تكفّ عن كونها مجرد ظاهرة طبيعية، لتغدو كاشفًا صارخًا لاختلالات الفعل العمومي لدى المنتخبين والسياسيين المحليين.
إن حالة آسفي، وبالأخص الفاجعة التي شهدها وادي الشعبة، حيث أُزهقت أرواح بشرية، لا يمكن اختزالها في قدرٍ مناخي ولا في حادثٍ معزول. فهي تندرج ضمن سلسلة معقدة من المسؤوليات السياسية والإدارية والمؤسساتية والتاريخية، تتقاطع فيها هشاشة الحكامة المحلية، وتشتت الاختصاصات، والتراخي الأخلاقي لبعض المنتخبين و المسؤولين المحليين، وقبل ذلك وبعده، ضعف التنفيذ الفعلي للتوجيهات الملكية الواضحة والمتكررة في مجالات التنمية الترابية، والوقاية من المخاطر، والعدالة المجالية.
وكما كتب Max Weber : «السياسة حفرٌ بطيء وعنيد في ألواحٍ صلبة». غير أنّ هذا الحفر، في آسفي كما في غيرها من المجالات الهشة، يبدو وكأنه استُبدل بنوعٍ من اللامبالاة المؤسساتية، حيث تتراجع المصلحة العامة لصالح مصالح شخصية أو حزبية أو انتخابوية. ومن ثمّ، يفرض سؤال مركزي نفسه، كيف نعيد تأسيس الفعل المحلي في المغرب، حتى تعود خدمة المصلحة العامة بوصلةً حصرية للمنتخبين المحليين؟
*أولًا : آسفي بين الإكراه الجغرافي وإفلاس الحكامة المحلية.*
سيكون من غير الأمانة العلمية تجاهل البعد الجغرافي والتاريخي لمدينة آسفي. فهي مدينة ساحلية ذات تضاريس وعرة، تخترقها أودية موسمية، ما يجعلها بنيويًا عرضةً للظواهر المناخية القصوى، وهو ما تفاقم بفعل تقادم البنيات التحتية، وأنماط من التمدّن العشوائي. وكما كان يذكّر المؤرخ الفرنسي Fernand Braudel : «الجغرافيا هي أبطأ القوى التاريخية، لكنها الأكثر تسلطًا». غير أنّ الجغرافيا ليست قدرًا محتومًا. فالمجتمعات الحديثة تُقاس بقدرتها على الاستباق والتخطيط والتحكم في المخاطر. ومن ثمّ، فإن مأساة وادي الشعبة تطرح سؤال «الكيف» أكثر من سؤال «الأين»: كيف عُمِّر المجال؟ كيف رُخِّص؟ كيف خُطِّط؟. في السياق المغربي، وبخاصة في آسفي، تمّ التوسع العمراني غالبًا بمنطق تداركٍ فوضوي، تساهل مع البناء في المناطق الخطِرة، أحيانًا بتواطؤٍ صريح أو ضمني من منتخبين محليين سعوا إلى ترسيخ زبائن انتخابيين. وهو ما كان عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu يصفه بـ «اقتصاد الخيرات الرمزية للسلطة السياسية المحلية»، حيث تتحول الرخصة غير الرسمية إلى عملة سياسية.
*ثانيًا : المصلحة العامة… مبدأ دستوري ومتطلب أخلاقي منسي.*
إن خدمة المصلحة العامة ليست خيارًا أخلاقيًا شخصيًا يُترك لتقدير المنتخب، بل هي مبدأ مؤسِّس في القانون الدستوري والإداري المغربي. فدستور 2011 كرس مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل المواطن في صلب الفعل العمومي.
ومع ذلك، وكما نبهت المفكرة الأمريكية Hannah Arendt، فإن «شرّ العصر الحديث ليس دائمًا جذريًا، بل غالبًا ما يكون مبتذلًا». وعلى المستوى المحلي، تتجلى هذه الابتذالية في تأجيل القرارات، وإهمال الملفات، وتجاهل التقارير التقنية، ودفن الإنذارات الإدارية في الأدراج. ومن هنا تبرز ضرورة ما يمكن تسميته إعادة تسليح أخلاقي للمنتخب المحلي. فقد شدد المفكر المغربي محمد عابد الجابري، في هذا الجانب، على مركزية أخلاقيات المسؤولية في ممارسة السلطة، خصوصًا في المجتمعات الانتقالية. فالمنتخب ليس موزعَ امتيازات، بل حارسٌ للصالح العام، حتى في مواجهة الضغوط الاجتماعية والحزبية.
*ثالثًا : الجماعات الترابية… استقلالية بلا رقابة أم مسؤولية بلا وسائل؟*
لقد منحت الجهوية المتقدمة للجماعات الترابية بالمغرب صلاحيات مهمة، غير أنّ هذه الاستقلالية النسبية تحولت أحيانًا إلى تبديدٍ للمسؤوليات، حيث يتقاذف الفاعلون اللوم فيما بينهم.
وكما لاحظ الاقتصادي المؤسساتي الأمريكي Douglass North، فإن «المؤسسات الفعالة هي التي تُوائم بين الحوافز الفردية والأهداف الجماعية». غير أنّ الحوافز السياسية محليًا ما تزال تشجع على الظهور قصير المدى بدل الاستثمار في الأمن طويل الأمد. ومن ثمّ، بات من الضروري إعادة تعريف الجماعة المحلية، لا بوصفها مجرد فضاء انتخابي، بل وحدةً للأداء العمومي، خاضعة لمؤشرات واضحة، وتدقيقات مستقلة، وآليات جزاء فعّالة.
*رابعًا : ضعف تنفيذ التوجيهات الملكية… عقدة الاختلال*
يكمن أحد أكبر مفارقات النموذج المغربي في الفجوة المستمرة بين وضوح التوجيهات الملكية وضعف ترجمتها الميدانية محليًا. فقد أكد صاحب الجلالة محمد السادس، نصره الله، مرارًا في خطبه و توجيهاته السامية على العدالة المجالية، وحماية المواطنين، وإنهاء مغرب السرعتين، وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أنّ هذا الانقطاع في سلسلة التنفيذ يعكس خللًا في الحكامة الوسيطة، حيث تتحول المستويات المحلية إلى مرشحات سلبية، أو حتى مقاومة للتنزيل. ومن ثمّ، ينبغي ألا يظل تنفيذ التوجيهات الملكية في حدود الولاء الرمزي، بل أن يُؤطر بآليات إلزامية للتتبع والتقييم والعقاب الإداري والسياسي.
*خامسًا* : *تحفيز وضبط عمل المنتخبين… من التدبير التفاعلي إلى الحكامة الاستباقية*
تبيّن مأساة آسفي، بحدة، أنّ التدبير التفاعلي القائم على الارتجال والتواصل الظرفي قد بلغ حدوده. والمطلوب اليوم هو تحول نموذجي نحو حكامة ترابية استباقية ومسؤولة وخاضعة للرقابة.
1) إرساء هندسة محلية حقيقية للسياسات العمومية.
تعاني معظم الجماعات من عجز في الهندسة الاستراتيجية. وكما كتب عالم الاجتماع التنظيمي Michel Crozier : «المشكلة ليست في كثرة القواعد، بل في غياب التعلم التنظيمي». ومن ثمّ، يصبح لزامًا :
– فرض دراسات إلزامية للهشاشة الترابية قبل أي ترخيص عمراني؛
– إدماج الاستشراف الترابي بآفاق 20 و30 و40 سنة؛
– إحداث خلايا محلية دائمة للاستباق تضم مهندسين ومخططين وخبراء مناخ وقانون.
2) إعادة توجيه الميزانية بمنطق الوقاية.
الوقاية غير مربحة سياسيًا على المدى القصير. لذلك يجب :
– تخصيص حصة قارة من الميزانيات المحلية للوقاية؛
– ربط بعض تحويلات الدولة ببرامج محلية للوقاية والصيانة؛
– اعتماد ميزانية قائمة على النتائج، حيث يُعد غياب الكوارث القابلة للتفادي مؤشر أداء.
3) توضيح المسؤوليات وإنهاء ثقافة الأعذار
كما كتب الفيلسوف الفرنسي Raymond Aron : «حين يكون الجميع مسؤولًا، لا يكون أحد مسؤولًا». لذا يجب تحديد المسؤوليات الإسمية، وتكريس التتبع القراري، وتفعيل المحاسبة الإدارية والسياسية.
4) تعزيز الرقابة الخارجية والشفافية المواطِنة.
لا بد من إشراك المواطن عبر :
– نشر تقارير التدقيق الترابي؛
– إتاحة المعطيات العمومية المحلية؛
– إحداث لجان محلية مستقلة تضم المجتمع المدني والخبراء.
*خاتمة* : *من المأساة المحلية إلى الإصلاح الوطني*
إن مأساة آسفي ليست خبرًا عابرًا، بل مرآة لاختلال عميق بين السلطة المحلية والمسؤولية السياسية والمصلحة العامة. وهي تطرح سؤال القيمة الحقيقية للحياة الإنسانية في سلم القرارات العمومية. إن إعادة الاعتبار لأخلاقيات المنتخب، وإصلاح حكامة الجماعات الترابية، والتنزيل الصادق للتوجيهات الملكية، ووضع المصلحة العامة في قلب الفعل العمومي، لم تعد شعارات إصلاحية، بل ضرورات أخلاقية وسياسية ملحّة.





































