تبدو قرعة كأس العالم 2026 وكأنها لحظة عادت فيها كرة القدم لتختبر ليس فقط قوة المنتخبات، بل قدرتها على مواجهة ذاكرتها.
فأن يجد المغرب نفسه من جديد أمام البرازيل وإسكتلندا يعيد فتح ملفاً ظل طيّاً منسيّاً منذ مونديال 1998، لكنه لم يفقد تأثيره في الوجدان المغربي.
تلك النسخة كانت مثالاً على أن الأداء الكبير لا يكفي دائماً لصناعة التأهل، وأن كرة القدم ليست لعبة منطق بقدر ما هي لعبة لحظات.
واليوم، بعد ثمانية وعشرين عاماً، يتجدد المشهد لكن بملامح مختلفة تماماً، إذ يدخل المغرب هذه المواجهات بوعي جديد وبهوية كروية أكثر ثباتاً مما كان عليه في الماضي.
التحليل الواقعي لهذه المجموعة يكشف أن استحضار الماضي لا يجب أن يتحول إلى عبء نفسي، بل إلى عنصر قراءة يساعد على فهم التحديات المقبلة.
فالبرازيل لم تعد المنتخب الذي يخشاه الجميع كما في السابق، بل فريق يمر بمرحلة إعادة بناء لم تتضح ملامحها الأخيرة بعد.
وإسكتلندا هي الأخرى تغيّرت، إذ أصبحت تعتمد على نموذج كروي منظم يتجاوز القوة البدنية التي كانت سمة واضحة في نهاية التسعينات.
وحتى منتخب هايتي، رغم تواضع سجله الدولي، يدخل المونديال بلا ضغط، وهو ما يجعل التعامل معه يستوجب تركيزاً مضاعفاً.
من جهة أخرى، يبدو المغرب اليوم في موقع مختلف تماماً، فجيل 2026 ليس امتداداً لجيل 1998 بقدر ما هو نتاج مرحلة نضج بدأت فعلياً في قطر 2022.
ذلك الإنجاز لم يكن مجرد وصول تاريخي إلى نصف النهائي، بل محطة تأسيسية لا تزال تلقي بظلالها على طريقة لعب المنتخب، على نوعية اللاعبين الذين يمثلونه، وعلى التوقعات التي يحملها الجمهور تجاهه.
فقد أصبح الفريق أكثر اتزاناً، وأعلى جاهزية، وأكثر قدرة على التحكم في نسق المباريات، وهي تفاصيل تجعل من المقارنة مع الماضي مقارنة غير عادلة.
المدرب وليد الركراكي يدرك بدوره أن القرعة ليست مجرد استنساخ لمواجهات قديمة، بل امتحان جديد يتطلب استراتيجية مختلفة.
تصريحه بعد القرعة، والذي أكد فيه أن الجميع يتذكر ما حدث في مونديال 98، لم يكن محاولة لإحياء جرح قديم، بل إشارة إلى أن الوعي التاريخي جزء من بناء حافز إيجابي داخل الفريق.
فالثأر، إذا وُجد، ليس ثأراً بالمعنى العاطفي، بل رغبة في إثبات أن المنتخب المغربي أصبح قادراً على مجاراة كبار اللعبة في كل بطولة وليس في نسخة استثنائية فقط.
ومع ذلك، فإن التعامل مع هذه المجموعة يستوجب قراءة عقلانية.
فالمغرب يدخل المنافسات وهو مطالب بإظهار شخصية المنتخبات التي تعرف كيف تدير مباريات كبيرة، وكيف تتحكم في التفاصيل الصغيرة التي تحسم المواعيد الحاسمة.
مواجهة البرازيل قد تمنح مؤشراً مبكراً على موقع المغرب الحقيقي في هذه النسخة، لكن المواجهتين أمام إسكتلندا وهايتي هما اللتان ستحددان قدرة الأسود على العبور نحو الأدوار المتقدمة.
فالأمر لا يتعلق بالنجاح في مباراة واحدة بقدر ما يتعلق بفرض مستوى ثابت في ثلاث محطات متباينة في طبيعتها الكروية.
إن التقاطع من جديد مع خصوم 1998 يمنح هذه المجموعة بعداً رمزياً إضافياً، لكنه لا يجب أن يحجب واقعاً أساسياً مفاده أن المغرب اليوم يقف في مرحلة إعادة رسم مكانته في الكرة العالمية.
وإذا كان الماضي يلوّح بذكراه، فإن المستقبل يفتح أبوابه بقوة، والمنتخب المغربي يبدو أكثر استعداداً من أي وقت مضى لفرض نفسه كأحد المنتخبات التي تمتلك مشروعاً حقيقياً، لا مجرد طموح موسمي أو حكاية عابرة.
بهذه القراءة، يصبح مونديال 2026 ليس مسرحاً لثأر كروي، بل فرصة لإكمال مسار بدأ فعلياً في الدوحة.
فرصة لإثبات أن المغرب لم يعد يتنقل بين لحظة مجد وأخرى انتظار، بل أصبح جزءاً من دائرة المنافسة الكبرى.
وفي هذه اللحظة تحديداً، يتضح أن مواجهة الماضي ليست سوى خطوة أولى نحو كتابة فصل جديد في تاريخ كرة القدم المغربية، فصل قد يكون أكثر اكتمالاً، وأعمق أثراً، وأكثر قدرة على تجاوز ما ظَلّ مُعلَّقاً منذ صيف 1998.









































