ينتقل رشيد حموني، القيادي في حزب التقدم والاشتراكية ورئيس فريقه النيابي خلال الولاية التشريعية السابقة، من موقع مساءلة الحكومة ومراقبة أدائها إلى تجربة التدبير التنفيذي، بعد تعيينه وزيراً منتدباً مكلفاً بالإدماج الاجتماعي. وهو انتقال يضعه أمام اختبار مختلف، عنوانه تحويل المواقف والمقترحات التي دافع عنها تحت قبة البرلمان إلى سياسات عمومية تستجيب لانتظارات الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة.
ويحمل حموني، المنحدر من مدينة ميسور بإقليم بولمان، تجربة سياسية امتدت لسنوات داخل المؤسسات المنتخبة، بدءاً من العمل الجماعي وصولاً إلى مجلس النواب، حيث راكم حضوراً في النقاشات المرتبطة بالقطاعات الاجتماعية، وقضايا التنمية المجالية، واختلالات الولوج إلى الخدمات الأساسية. غير أن المسؤولية الجديدة تفرض عليه الانتقال من تشخيص أوجه القصور وتوجيه الانتقادات إلى المشاركة المباشرة في تدبير الملفات والبحث عن حلول قابلة للتنفيذ.
من ميسور إلى المؤسسة التشريعية
تكوّن المسار الأكاديمي لحموني في مجال العلوم الفيزيائية والكيميائية، قبل أن يتجه إلى العمل السياسي والتدبير المحلي. وكانت بداياته من خلال تجربة في المجلس الجماعي بمسقط رأسه، أتاحت له الاحتكاك بقضايا التنمية المحلية والإكراهات التي تواجه المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى.
ومن العمل الجماعي انتقل إلى البرلمان، الذي دخله سنة 2011، ليصبح خلال ثلاث ولايات تشريعية من الوجوه المعروفة داخل فريق حزب التقدم والاشتراكية. وقد ارتبط حضوره النيابي بالدفاع عن قضايا المناطق التي تعاني خصاصاً في التجهيزات والخدمات، إلى جانب الاهتمام بالملفات الاجتماعية والصحية.
وخلال ترؤسه الفريق النيابي للحزب، تبنى حموني خطاً معارضاً ركز على مساءلة الأداء الحكومي وتقديم بدائل ومقترحات تشريعية، في إطار ما وصفه الحزب بالمعارضة الاقتراحية. كما شارك في أشغال لجنة القطاعات الاجتماعية وفي مبادرات برلمانية مرتبطة بإصلاح الخدمات الصحية وتتبع عدد من القضايا الميدانية.
ويشكل هذا الرصيد أحد مداخل فهم انتقاله إلى المسؤولية الحكومية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على قدرته على تدبير الملفات التي ستوضع بين يديه؛ فالممارسة التنفيذية تخضع لاعتبارات مؤسساتية ومالية وإدارية تختلف عن طبيعة العمل الرقابي والتشريعي.
ملفات اجتماعية معقدة
تضع حقيبة الإدماج الاجتماعي الوزير الجديد أمام ملفات تتطلب تنسيقاً مستمراً بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية ومكونات المجتمع المدني. ويتعلق الأمر، على وجه الخصوص، بتحسين أوضاع الأشخاص في وضعية إعاقة، وتطوير خدمات الرعاية الاجتماعية، وتعزيز آليات الحماية والتمكين، وتوسيع فرص الإدماج أمام الفئات التي تواجه عوائق اجتماعية واقتصادية.
ولا تقتصر صعوبة هذه الملفات على صياغة البرامج أو الإعلان عن المبادرات، بل تشمل ضمان وصول الخدمات إلى المستفيدين، وتوفير الموارد الضرورية، وتحسين جودة المؤسسات الاجتماعية، وتجاوز التداخل الذي قد يطبع اختصاصات المتدخلين. كما يظل قياس أثر السياسات المعتمدة على الحياة اليومية للمواطنين شرطاً أساسياً لتقييم فعاليتها.
وسيشتغل حموني في هذا الإطار إلى جانب نجوى كوكوس، المكلفة بحقيبة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، ما يجعل وضوح الاختصاصات والتنسيق بين القطاعات المعنية من العناصر المؤثرة في تنفيذ البرامج وتحقيق الالتقائية المطلوبة.
من نقد السياسات إلى مسؤولية تنفيذها
يفرض الانتقال إلى الحكومة على حموني التعامل مع معادلة سياسية ومؤسساتية جديدة. فبعد سنوات من مساءلة الاختيارات الحكومية وانتقاد أوجه القصور في تدبير عدد من القطاعات، يصبح مطالباً بالمساهمة في بلورة القرارات وتنفيذها، ضمن منطق المسؤولية الحكومية المشتركة والإمكانات المتاحة.
ويتمثل أحد أبرز التحديات في تحويل المقترحات التي دافع عنها حزبه من موقع المعارضة إلى تدابير عملية، مع مراعاة الإكراهات المرتبطة بالتمويل والموارد البشرية وتعدد المتدخلين. كما أن الملفات الاجتماعية لا تسمح بالاكتفاء بالمقاربات الإدارية، لأنها ترتبط بحقوق أساسية وبحاجات يومية لفئات تنتظر خدمات أكثر إنصافاً وفعالية.
ومن ثم، لن يكون معيار نجاح تجربة حموني هو طبيعة خطابه السابق أو قوة حضوره داخل البرلمان، بقدر ما سيكون مرتبطاً بقدرته على تحسين برامج الإدماج الاجتماعي، وتطوير آليات الرعاية والحماية، وضمان وصول الدعم والخدمات إلى مستحقيها.
وبين تجربة نيابية ارتبطت بالرقابة والاقتراح، ومسؤولية حكومية تفرض التدبير والتنفيذ، تبدأ أمام رشيد حموني مرحلة جديدة ستحدد نتائجها مدى قدرته على الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى الإسهام في معالجتها، في قطاع تتقاطع فيه الاعتبارات الاجتماعية والحقوقية مع تحديات التنسيق والتمويل والإنصاف المجالي






