أعاد الخلاف حول مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، اليوم، إشعال المواجهة داخل مجلس المستشارين، بعد توقّف جلسة تشريعية خُصّصت للمصادقة على النص لأزيد من نصف ساعة، بطلب مباشر من فرق المعارضة، قبل أن تنتهي بإعلان انسحاب جماعي غير مسبوق احتجاجًا على ما اعتُبر “تعنتًا حكوميًا” في تدبير النص التشريعي.
وأعلن نور الدين سليك، رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل، باسم جميع مكونات المعارضة والمركزيات النقابية الممثّلة داخل الغرفة الثانية، قرار الانسحاب من الجلسة، مؤكدًا أن الموقف جاء ردًا على رفض وزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، إدخال أي تعديل على المشروع، وإصراره على إسقاط جميع التعديلات التي تقدمت بها الفرق المعارضة، إلى جانب تجاهله رأيين استشاريين صادرين عن مؤسستين دستوريتين وازنتين، هما المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فضلاً عن مخرجات يوم دراسي خُصّص لمناقشة المشروع.
ووفق المعطيات المتداولة داخل المجلس، فإن فرق المعارضة، التي تضم الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية، والفريق الحركي، إلى جانب ثلاث مركزيات نقابية، هي الاتحاد المغربي للشغل، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، قد عبّرت عن رفضها القاطع لمنهجية الحكومة، معتبرة أن رفض التعديلات يمثّل مساسًا صريحًا بروح النقاش البرلماني، ويناقض مبدأ المقاربة التشاركية التي ظل المغرب يرفعها كعنوان إصلاحي داخل قطاع الإعلام والصحافة.
وطالبت المعارضة، عبر نقط نظام متتالية، بإحالة النص على المحكمة الدستورية للتحكيم في مدى مطابقته لأحكام الدستور، وإعادته إلى لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية لتعميق النقاش حول مضامينه، التي وُصفت من طرف متدخلين بأنها “تفتقر إلى التوازن المعياري وتضرب جوهر التنظيم الذاتي للمهنة”.
وعقب انسحاب المعارضة، قرر لحسن حداد، رئيس الجلسة، مواصلة مسطرة المصادقة على المشروع، وهو ما دفع فرق الأغلبية إلى تقديم التعديلات التي كانت قد وضعتها المعارضة، قبل أن تتولى مهمة التصويت ضدها تباعًا، في مشهد عكس، بوضوح، حجم الاستقطاب داخل الغرفة الثانية.
وخاطب سليك فرق الأغلبية بنبرة ساخرة، تحمل في طياتها نقدًا سياسيًا لاذعًا، قائلاً: «سوف نترككم تقدمون التعديلات التي وضعتها المعارضة، ونحن نثق فيكم بأنكم ستصوتون ضدها»، في إشارة ضمنية إلى غياب أي مبادرة تعديلية من طرف الأغلبية نفسها، واقتصار دورها على الرفض دون تقديم بدائل.
ويعكس هذا التطور، في عمقه، احتدام الجدل حول مستقبل التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة بالمغرب، في ظل تزايد الدعوات إلى حماية استقلالية المجلس الوطني للصحافة من أي تدخلات أحادية، وتمكينه من آليات حكامة متوازنة تُشرك الصحافيين والناشرين على قدم المساواة، وفق منطق ديمقراطي لا تحسمه الحسابات السياسية الضيقة، بل روح المؤسسات ومعيارية القانون.









































