– بقلم : فؤاد بوجبير، باحث في علوم التدبير (متخصص في التدبير العمومي والسياسات العمومية)
*- مقدمة : حدس مُقلق في مواجهة الزمن*
في بعض فترات التاريخ، يبدو وكأن العالم قد فقد بوصلته. تتلاشى المرجعيات الفكرية، وتفرغ السياسة من معناها، وتبدو النخب غير جديرة بوظائفها، ويحلّ الضجيج محلّ التفكير. وفي مثل هذا السياق تحديدًا تبرز تساؤلات مقلقة : ألسنا بصدد إعادة عيش مرحلة سبق تحليلها وتشريحها وفهمها قبل أكثر من ستة قرون؟
عندما كتب ابن خلدون “المقدمة”، لم يكتفِ بسرد التاريخ، بل سعى إلى اكتشاف قوانينه العميقة. فقد نظر إلى المجتمعات البشرية ككائنات حية تخضع لدورات من النشأة والنمو والانحطاط والاندثار. وهذا المنظور، بحداثته اللافتة، يدعونا اليوم إلى مقارنة جريئة : هل تشبه حقبتنا، التي تهيمن عليها السياسة الضيقة، وعدم الكفاءة الاستعراضية، والسطحية الإعلامية، تلك المرحلة التي وصفها ابن خلدون بمرحلة الانحطاط النهائي؟
1- ابن خلدون : التفكير في التاريخ كعلم للواقع
كان ابن خلدون أول من أكد أن التاريخ لا يمكن فهمه دون تحليل البنى الاجتماعية، وعلاقات السلطة، والظروف الاقتصادية، والاستعدادات النفسية للأفراد. وفي هذا يسبق أوغست كونت، وماكس فيبر، وإميل دوركهايم.
فبالنسبة إليه، ليست الأحداث سوى السطح الظاهر لقوى أعمق، وهي : العصبية، والأخلاق الجماعية، والاقتصاد، وجودة القيادة.
ويرى ابن خلدون أن كل سلطة سياسية تسير في مسار شبه بيولوجي، يبدأ بالتأسيس على يد رجال يحملون رؤية وتضامنًا قويًا، ثم مرحلة التوطيد عبر التنظيم والمؤسسات، وأخيرًا مرحلة الانحطاط عندما يحلّ الترف محلّ الجهد، ويطغى المظهر على الفضيلة.
وهذا النموذج ليس حتمية ميكانيكية، بل ميل عام يظهر عندما تتوقف المجتمعات عن إنتاج المعنى.
2- السياسة الضيقة وانهيار المعنى
تتسم حقبتنا بما سماه الكاتب الفرنسي غي ديبور “مجتمع الفرجة”. فلم تعد السياسة فضاءً لتصارع الأفكار، بل مسرحًا للصور والشعارات والانفعالات الآنية.
لم يعد اختيار القادة السياسيين قائمًا على العمق، بل على الظهور الإعلامي. وتُقصى الأفكار المعقدة لصالح رسائل قصيرة ومبسطة وسريعة الانتشار. بحيث كان ابن خلدون سيرى في ذلك عرضًا كلاسيكيًا للانحطاط : عندما يهيمن الشكل على المضمون، يصبح السقوط قريبًا.
وفي المراحل المتأخرة من الحضارات، تُسند الوظائف، كما يقول، إلى أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة والشرعية الأخلاقية. ويستمر الحكم حينها عبر الاستعراض، لا عبر العدل أو الحكمة.
وتلتقي هذه الفكرة مع تحليل أفلاطون الذي يرى أن الانحطاط يبدأ عندما تُحكم المدينة بمن يعرفون الإقناع بدل من يعرفون التفكير.
3- انهيار النخب : نظرات
متقاطعة عربية وغربية
بالنسبة لابن خلدون، فإن الانحطاط ليس اقتصاديًا أو عسكريًا أولًا، بل أخلاقيًا وفكريًا. فعندما تتوقف النخب عن أن تكون قدوة، تفقد قدرتها على إنتاج التماسك الاجتماعي.
وقد أعاد عالم الاجتماع الإيطالي فيلفريدو باريتو هذه الفكرة عبر مفهوم “تداول النخب”. فعندما تتشبث نخبة بالسلطة السياسية دون تجدد، تتحول إلى طبقة عقيمة غير قادرة على فهم المجتمع الحقيقي.
وفي الفكر العربي، كان الغزالي قد شدد على فساد النية كسبب لانحطاط المجتمعات. فسياسة بلا مبادئ ليست سوى حسابات فارغة.
4 – الاقتصاد والجباية وتدمير العمل
كان ابن خلدون من أوائل من أوضح أن الثروة تأتي من العمل الإنساني، وأن الضرائب المفرطة تثبط الإنتاج، مما قد يسبب فس قتل الإبداع الاقتصادي.
وتستبق هذه الأفكار تحليلات آدم سميث، كما تتقاطع مع القراءات المعاصرة لفقدان معنى العمل، والهشاشة الاقتصادية، وتراجع الثقة في المؤسسات. فالمجتمع الذي يخنق قواه الإنتاجية يهيئ لضعفه.
5- التعليم وعلم النفس وصناعة السطحية
انتقد ابن خلدون تعليمًا قائمًا على التلقين الآلي الذي يقتل التفكير النقدي، وشدد على ضرورة الفهم قبل الحفظ.
أما عصرنا، المشبع بالشاشات، فينتج ما وصفته الفيلسوفة الأمريكية حنا أرندت بـ”تفاهة الفراغ” : أفراد مطلعون جدًا، لكنهم أقل قدرة على التفكير. بحيث حلّ المؤثرون محل المثقفين، والرأي محل التفكير، والعاطفة محل العقل.
6- هل نحن في المرحلة
التاريخية نفسها؟
في ضوء هذه التحليلات، يبدو التشابه لافتًا :
*/ هيمنة السياسة الضيقة،
*/ انتشار شخصيات سطحية،
*/ غياب رؤى هيكلية،
*/ انهيار الأيديولوجيات المتماسكة،
*/ إرهاق أخلاقي يصيب المجتمعات.
وكما في زمن ابن خلدون، يبدو أن السلطة منشغلة بالحفاظ على نفسها بدل تحويل الواقع. ويُهمَّش الفكر العميق، وتصبح الرداءة معيارًا.
*- الخاتمة : عودة الدورة أم التحذير الأخير؟*
فهل نعيش فعلًا المرحلة نفسها التي وصفها ابن خلدون؟
نعم، في بنيتها العميقة، وإن اختلفت الأشكال. لقد تغيرت التكنولوجيا وتطورت المؤسسات، لكن الطبيعة البشرية بقيت. فالمجتمعات التي تتخلى عن التفكير والكفاءة والفضيلة لصالح المظهر والارتجال والحسابات قصيرة المدى تدخل حتمًا مرحلة الانحطاط.
إن السياسة اليوم، المحكومة بالعاطفة والمؤثرين السطحيين وجيش من غير الأكفاء بلا مبادئ، تشبه بشكل مقلق المرحلة الأخيرة التي وصفها ابن خلدون : مرحلة يستمر فيها وجود الدولة، و رغم مجهوداتها المضنية، يمكن أن تفقد روحها الجماعية.
والاختلاف الجوهري ربما يكمن هنا: لقد تم تحذيرنا. فقد ترك لنا ابن خلدون ليس تحليلًا فحسب، بل درسًا.
وإذا كررنا الأخطاء نفسها، فلن يكون ذلك بسبب الجهل، بل بسبب رفض التفكير. وربما يكون هذا هو المأساة الحقيقية لعصرنا.










































