يشهد ورش التعليم الأولي في المغرب تسارعاً لافتاً على مستوى التعميم والبنية التحتية، لكنه يصطدم في العمق بواقع اجتماعي ومهني هشّ يهدد جودة التأطير واستدامة الإصلاح. فبينما تواصل الدولة ضخ الاستثمارات لتوسيع الوحدات وربطها بالمرافق الأساسية، تبقى فئة واسعة من المربيات والمربين رهينة أجور متدنية وتأخر في صرف الرواتب، واكتظاظ داخل الأقسام، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى التعميم دون ضمانات موازية للجودة.
وتكشف المعطيات الحديثة أن مؤطري ربع الأطفال في هذه المرحلة يتقاضون أجوراً تقل عن 2000 درهم شهرياً، في حين يؤطر 42 في المائة من الأطفال طاقمٌ يتجاوز أجره 3000 درهم، وهو تفاوت يعكس فجوة داخلية بين القطاعات وأنماط العرض. ويتفاقم الوضع في التعليم غير المهيكل، حيث يؤطر 23 في المائة من الأطفال مربيات ومربون يعانون من تأخر صرف أجورهم، مقابل 6.5 في المائة فقط في القطاع العمومي، ما يجعل هشاشة الاستقرار المهني واقعاً لا يمكن القفز فوقه، مهما كانت لغة الأرقام واعدة في التقارير والبيانات الرسمية.
في المقابل، تبرز مؤشرات إيجابية على مستوى التكوين والتخصص، إذ يستفيد 93 في المائة من الأطفال من تأطير أطقم متخصصة أكاديمياً أو حاصلة على تكوين في التعليم الأولي، مع تسجيل 93 في المائة في وحدات الشراكة والقطاع العمومي، و91 في المائة في القطاع الخاص، غير أن هذه الكفاءة النظرية تتآكل أمام ضغط الممارسة اليومية، حيث يشتغل 46 في المائة من المؤطرين تحت عبء عمل مرتفع، ما يجعل الرضا المهني – الذي عبّر عنه 89 في المائة منهم – أقرب إلى صمود نفسي أمام الإكراهات، منه إلى انعكاس حقيقي لظروف اشتغال ملائمة.
وعلى مستوى البنية التحتية، يواصل المغرب تضييق الفجوة بين الطموح والإنجاز، إذ إن 86 في المائة من وحدات التعليم الأولي متصلة بماء الشرب، بينما لا تتجاوز نسبة الأطفال الذين يتوفرون على مرافق صحية تستوفي المعايير 31 في المائة فقط، في حين يغسل 38 في المائة من الأطفال أيديهم بالصابون قبل الوجبات داخل مؤسسات تحترم هذا السلوك الوقائي، وهي أرقام تكشف أن التعميم يسير بخطى أسرع من وتيرة تجويد شروط الاستقبال والسلامة.
وتحمل التركيبة الديموغرافية للأطر التربوية دلالات إضافية، إذ إن 41 في المائة من الأطفال يؤطرهم طاقمٌ لا تتجاوز أعمارهم 30 سنة، بينما لا تتجاوز خبرة 49 في المائة منهم خمس سنوات، وتصل هذه النسبة إلى 70 في المائة في الوسط القروي، وهو ما يسلّط الضوء على مفارقة حادة: المناطق التي حققت تقدماً كبيراً في الولوج، لا تزال تعاني في المقابل من ضعف التأطير الخبير، ما يضع ورش التعليم الأولي أمام تحدٍ مزدوج: إنصاف مجالي لا يكتمل، وجودة بيداغوجية لا تزال تبحث عن شروطها.
ويزداد القلق حين يتعلق الأمر بالاستمرارية المهنية، إذ لا يخطط سوى 45 في المائة من المؤطرين لمواصلة العمل في القطاع على المدى الطويل، ما يعني أن أكثر من نصف الأطر يعيشون في وضع مهني عابر، غير مستقر، قابل للنزيف في أي لحظة، وهو ما يهدد أحد أهم أسس الإصلاح التربوي: الاستدامة.
إن التعليم الأولي في المغرب اليوم يقف عند مفترق حساس؛ بين تعميمٌ لا جدال في تقدمه، وبنية تحتية تتحسن تدريجياً، وبين موارد بشرية تعيش على إيقاع الهشاشة، ما يجعل الرهان الحقيقي ليس فقط في فتح أبواب الأقسام أمام الأطفال، بل في ضمان أن يجدوا خلف تلك الأبواب بيئة آمنة، وأطراً مستقرة، وممارسة تربوية تليق بحجم التحول الذي يريده المغرب لنمو أجياله منذ السنوات الأولى.










































