في خطوة تعكس التحول البنيوي في السياسة الدفاعية للمملكة، رفع المغرب مجدداً ميزانية الإنفاق العسكري إلى أعلى مستوى في تاريخه، حيث نصّ مشروع قانون المالية لسنة 2026 على تخصيص 157.17 مليار درهم (نحو 16 مليار دولار) لاقتناء وإصلاح معدات القوات المسلحة الملكية، ودعم تطوير الصناعة الدفاعية الوطنية.
ويأتي هذا الارتفاع القياسي في سياق تحولات إقليمية معقدة، وتحديات أمنية متزايدة في منطقة الساحل وشمال إفريقيا، ويُجسّد استمرار المملكة في اعتماد مقاربة استراتيجية طويلة المدى لتأهيل قدراتها العسكرية وتعزيز استقلالها الصناعي في المجال الدفاعي.
نهج تصاعدي منسجم مع رؤية 2030
وفقاً للمادة 34 من مشروع قانون المالية، فإن هذه الاعتمادات تُسجّل ضمن حساب الالتزامات المسبقة الخاصة بقطاع الدفاع، وسيُشرع في صرفها خلال السنة المالية 2027، في إطار مقاربة مالية متدرجة تضمن الاستدامة دون المساس بتوازنات المالية العمومية.
ويُعد هذا الرقم ارتفاعاً بنسبة 17.77% مقارنة بميزانية 2025 التي بلغت 133.45 مليار درهم، أي بزيادة صافية قدرها 23.7 مليار درهم. ويؤشر ذلك على مسار تصاعدي منتظم بدأ منذ 2019، ارتفعت خلاله الميزانية الدفاعية من 96.7 مليار درهم إلى أكثر من 157 ملياراً حالياً – أي زيادة تفوق 60 مليار درهم خلال سبع سنوات.
تحديث شامل للجيش ودفع بالصناعة الوطنية
بحسب مصادر حكومية، يُوجّه هذا الغلاف المالي إلى تحديث شامل لترسانة الجيش المغربي، يتضمن اقتناء أنظمة تسليح متطورة، وتعزيز الدفاع الجوي، وتطوير قدرات الحرب الإلكترونية، إضافة إلى تأهيل البنية التحتية العسكرية.
وتُعتبر الصناعة الدفاعية الوطنية محوراً أساسياً في هذه الرؤية، حيث شرع المغرب منذ 2020 في تطوير منظومة إنتاج محلية للأسلحة والمعدات، عبر شراكات استراتيجية مع شركات من الولايات المتحدة، وفرنسا، وإسرائيل، وإسبانيا. وتغطي هذه المشاريع مجالات متنوعة، من بينها الطيران، الصناعات البحرية، والذخائر، والمعدات الذكية.
في مواجهة سباق التسلح في المنطقة
الزيادة المغربية في الإنفاق العسكري تأتي بالتوازي مع ارتفاع كبير في ميزانية الدفاع بالجزائر، التي خصصت نحو 3.305 تريليون دينار جزائري (ما يعادل 25.4 مليار دولار) للدفاع الوطني، بحسب ما ورد في مشروع قانون المالية الذي صادق عليه مجلس الوزراء الجزائري في 5 أكتوبر.
ورغم أن القيمة المطلقة للميزانية الجزائرية تتفوق عددياً، إلا أن المقاربة المغربية تختلف جوهرياً من حيث الهيكلة والهدف. ففي حين تركز الجزائر على الإنفاق التقليدي للتجهيز والتسليح الخارجي، يسعى المغرب إلى بناء قدرات دفاعية مستقلة ذات طابع تكنولوجي وصناعي.
ويرى مراقبون أن المغرب يراهن على تعزيز مكانته كقوة إقليمية صاعدة، عبر الجمع بين تحديث الجيش وتطوير الصناعة الدفاعية، في ظل علاقات دفاعية وثيقة مع حلفائه الغربيين، وخاصة الولايات المتحدة، التي تُعد الشريك الأول للمملكة في هذا المجال.
إنفاق موجه برؤية استراتيجية
يتجلى الطابع الاستراتيجي لميزانية 2026 في كونها ليست مجرد إنفاق على التسليح، بل جزء من رؤية أكبر لبناء أمن وطني شامل، يتكامل مع مشاريع التنمية الاجتماعية، كما أكد الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير، مشدداً على ضرورة الموازنة بين متطلبات السيادة والدفاع، واحتياجات الإصلاحات الكبرى.
ومن المنتظر أن يُعرض مشروع قانون المالية أمام البرلمان مساء اليوم، بعد أن تمت مناقشته في المجلس الوزاري المنعقد أمس الأحد، والذي قدّمت خلاله وزيرة الاقتصاد والمالية عرضاً أمام العاهل المغربي حول التوجهات الكبرى للمالية العمومية برسم عام 2026.
سباق استراتيجي لا تنافسي
ويؤكد محللون أن ارتفاع الإنفاق العسكري في المغرب لا يُفهم في سياق “سباق تسلح” تقليدي بقدر ما يعكس نقلة نوعية في فلسفة الدفاع الوطني، تقوم على تقليص التبعية الخارجية، وتعزيز السيادة الصناعية، وتحقيق توازن رادع في محيط إقليمي يشهد تحولات غير مسبوقة.
فبينما تمضي الجزائر في توسيع نفقاتها بشكل عددي، يسير المغرب في اتجاه بناء قدرات نوعية، تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة، والكفاءات المحلية، والشراكات الدولية.









































