كشف مجلس المنافسة، في رأي حديث أصدره حول السير التنافسي لسوق المطاحن بالمغرب، عن صورة مقلقة لحجم الخسائر المرتبطة بالخبز والحبوب، مسجلاً أن السياسة المعمول بها منذ عقود في دعم الأسعار أسهمت، بشكل غير مباشر، في ترسيخ ثقافة الاستهلاك المفرط وإفقاد الخبز قيمته الحقيقية لدى المستهلكين.
هدر مُرتفع و“سعر منخفض بشكل غير طبيعي”
ويرى المجلس أن الإبقاء على خبز مدعوم وبسعر ثابت جعل هذا المنتَج الأساسي يبدو “منخفض القيمة” في نظر المواطن، ما يشجع على شراء كميات تفوق الحاجة اليومية، لينتهي جزء كبير منها في القمامة. وتشير تقديرات الجامعة الوطنية للمخابز والحلويات إلى أن 30 مليون وحدة خبز تُهدر يومياً، أي ما يعادل ربع الإنتاج الوطني الذي يتراوح بين 110 و120 مليون وحدة في اليوم.
وتتحدث جمعيات حماية المستهلك عن 11 مليار وحدة خبز تُهدر سنوياً، داعية إلى سنّ تشريع يجرّم الهدر ويسهم في ترشيد الاستهلاك.
خسائر على طول السلسلة… من الحقول إلى موائد الأسر
ولا يقتصر الهدر على مرحلة الاستهلاك، إذ يضيء التقرير على سلسلة طويلة من الخسائر تبدأ من الإنتاج الزراعي نفسه، حيث تُسجَّل نسب تلف تصل إلى 20% بسبب تغيّر الظروف المناخية وضعف البنية التحتية الحديثة للتخزين.
كما تكشف المعطيات أن التخزين التقليدي، المنتشر في عدد من المناطق المغربية عبر “المطامير” والغرف تحت الأرض، يتسبب في خسائر مشابهة تصل إلى 20% سنوياً بفعل الرطوبة وغياب شروط السلامة الغذائية. في المقابل، تخفض الصوامع الحديثة نسبة الهدر إلى ما بين 1% و2%، غير أن انتشار هذا النمط المتطور ما يزال محدوداً.
وتتواصل الخسائر في حلقات التصنيع والتوزيع، إذ تقدَّر بنحو 5% إلى 7% في مستودعات التجميع، وحوالي 5% أخرى في شبكة التوزيع. حتى المطاحن الصناعية، بحسب المجلس، تعاني من تقنيات متقادمة تؤثر على مردوديتها.
أنماط استهلاك تُفاقِم المشكلة
وفي مرحلة الاستهلاك، يبدو الوضع أكثر تعقيداً. فبحسب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، يُرمى ما بين 32% و34% من الخبز الذي يشتريه المغاربة في المنازل والمطاعم. وتلعب العادات الاجتماعية والثقافية دوراً مركزياً في هذا الهدر، إذ ترتفع نسب التخلص من الخبز خلال الأعياد والمناسبات العائلية، حيث يُحضَّر فائض كبير من الطعام.
تكلفة اقتصادية وبيئية باهظة
ويحذر مجلس المنافسة من أن الهدر الغذائي أصبح عبئاً مالياً ثقيلاً على الدولة، إذ يُهدر جزء مهم من الدعم الذي ترصده الحكومة للقمح المحلي دون تحقيق الأثر الاجتماعي المنتظر. فبدلاً من أن يستفيد منه المواطنون الأكثر هشاشة، يُستنزف جزء من هذا الدعم عبر مسارات إنتاج وتوزيع معطوبة، ثم ينتهي إلى الهدر في مرحلة الاستهلاك.
أما على المستوى البيئي، فينبّه التقرير إلى أن إهدار الخبز يعني عملياً إهدار موارد مائية وطبيعية ضخمة، إذ يستهلك إنتاج كل كيلوغرام من القمح مئات اللترات من الماء. كما يفاقم التخلص من النفايات الغذائية الضغط على البنيات اللوجستية، ويرفع حجم البصمة البيئية لقطاع الحبوب.
دعوات لإعادة تقييم منظومة الدعم
ويشكّل التقرير دعوة صريحة إلى إعادة النظر في آليات الدعم الحالية، والانتقال إلى مقاربة جديدة تحدّ من الهدر وتعزّز توجيه الموارد نحو الفئات التي تحتاجها فعلاً. كما يدعو إلى تحديث بنيات التخزين، وتأهيل سلسلة التوزيع، واعتماد برامج للتربية الغذائية تحدّ من شراء الفائض.









































