المقال مستقى من تحقيق صحفي أجرته المجلة الفرنسية “VSD”.
في مكاتب محصّنة داخل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بالرباط، تتبلور ملامح واحدة من أكثر التجارب الأمنية تكاملاً في محيط إقليمي مضطرب. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي بين أوروبا ومنطقة الساحل، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع تهديد إرهابي متحوّل، ما فرض عليه تبني مقاربة متعددة الأبعاد لا تختزل المواجهة في البعد الأمني الصرف.

ويؤكد عبد الإله الأنيزي، المسؤول البارز عن مكافحة الإرهاب، أن “أفضل سلاح في مواجهة الإرهاب هو التعاون الدولي”، معتبراً أن هذا التحدي لا يمكن تطويقه بجهود منفردة، بل عبر تنسيق استخباراتي وأمني عابر للحدود، يستهدف البنى الخلفية للتنظيمات المتطرفة، ويجفف منابع تمويلها، ويُحبط تحركاتها الاستباقية.
من الصدمة إلى إعادة البناء
شكّلت أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء نقطة تحوّل حاسمة في الاستراتيجية الأمنية المغربية. فبعد الهجوم الإرهابي الذي خلّف عشرات الضحايا، اختارت الدولة الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي، عبر إعادة هيكلة شاملة شملت الإطار القانوني، وتعزيز القدرات الاستخباراتية، والانخراط في مسار محاربة التطرف الفكري والديني.

هذه الرؤية الشمولية، التي يشرف عليها المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، مكّنت المغرب من بناء نموذج أمني متماسك، حاز اعترافاً دولياً، تُوّج بتعزيز حضوره داخل المنظمات الأمنية العالمية، وعلى رأسها الإنتربول.
نجاعة ميدانية وأرقام دالة
آخر تجليات هذه النجاعة تعود إلى فبراير 2025، حين تم تفكيك خلية موالية لتنظيم “داعش” كانت تُعد لعمل إرهابي كبير. التحقيقات كشفت عن بنية تنظيمية هرمية، وامتدادات إقليمية قادمة من منطقة الساحل، إضافة إلى مسارات تمويل معقدة جرى تفكيكها بفضل التنسيق بين مختلف المصالح الأمنية.

وخلال عشر سنوات، نجح المغرب في تفكيك 102 خلية إرهابية، تضم أكثر من 1700 شخص، بينهم نساء وقاصرون، مع ارتباط الغالبية بتنظيم “داعش” في بؤر توتر متعددة. اللافت في هذه الحصيلة ليس فقط حجمها، بل التراجع التدريجي في عدد الخلايا المفككة، ما يعكس – وفق المسؤولين – فعالية المقاربة الوقائية المعتمدة.
العلم والاستخبارات في خدمة الأمن
إلى جانب العمل الاستخباراتي، راهن المغرب بقوة على الشرطة العلمية والتقنية. فمختبراته المعتمدة دولياً، وخاصة بالدار البيضاء، باتت تشكّل ركيزة أساسية في فك ألغاز القضايا الإرهابية، من تحليل البصمات والحمض النووي، إلى تتبع الأدلة الرقمية والمواد المتفجرة، وهو ما منح المملكة موقعاً استراتيجياً داخل مجموعات العمل التابعة للإنتربول.
مواجهة الفكر بالفكر
غير أن المعركة لا تُحسم بالسلاح وحده. فالمغرب أدرك مبكراً أن التطرف ظاهرة فكرية بقدر ما هي أمنية. لذلك، أطلق إصلاحاً عميقاً للحقل الديني، شمل تكوين الأئمة، والتعاون مع دول إفريقية، وإحداث برامج لإعادة الإدماج مثل مشروع “مصالحة”، الذي يستهدف السجناء المدانين في قضايا التطرف، عبر إعادة تأهيلهم دينياً ونفسياً واجتماعياً.
رهان مستقبلي مفتوح
اليوم، وبين الرباط والدار البيضاء، يواصل الخبراء الأمنيون تطوير أدوات الرصد والإنذار المبكر، مع وعي تام بأن التهديد الإرهابي متغيّر وغير قابل للاختزال. فالمعركة طويلة النفس، وتتطلب استثماراً مستمراً في العنصر البشري، والتكنولوجيا، والشراكات الدولية.
وفي عالم لم يعد فيه الإرهاب يعترف بالحدود، يراهن المغرب على تثبيت موقعه كفاعل موثوق في الأمن الإقليمي والدولي، واضعاً نصب عينيه معادلة دقيقة: الصرامة الأمنية، دون التفريط في المقاربة الإنسانية والفكرية. وهي معركة، كما يصفها مسؤولوها، “عالمية… ولا أحد بمنأى عنها”.










































