في مشهد سياسي لم يكن أحد يتوقعه قبل أشهر، أعلنت القوة السياسية الصاعدة في جنوب إفريقيا، حزب “أومكونتو وي سيزوي”، نهاية عقود من الاصطفاف وراء أطروحة الانفصال بالصحراء.
الحزب، الذي يتزعمه الرئيس السابق جاكوب زوما، فجّر مفاجأة مدوية بإعلانه دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، واضعاً بذلك حداً لتقليد دبلوماسي طويل دافعت فيه بريتوريا عن جبهة البوليساريو بكل قوة.
الإعلان لم يكن عادياً ولا عابراً، بل جاء من العاصمة المغربية الرباط، حيث ظهر زوما إلى جانب وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ليكشف بشكل صريح عن تحوّل جذري في موقف الحزب، الذي بات يُصنف اليوم كثالث أكبر قوة سياسية في جنوب إفريقيا.
“الحكم الذاتي الذي تقترحه الرباط يمنح سكان الصحراء إمكانية تدبير شؤونهم تحت سيادة مغربية واضحة.
إنه حل واقعي ومنسجم مع التاريخ والقانون”، هكذا قال زوما دون مواربة.
ما حدث ليس مجرد إعلان سياسي، بل تحوّل في العمق.
فجنوب إفريقيا التي طالما لعبت دور رأس الحربة في دعم البوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، تجد نفسها اليوم أمام خريطة تحالفات جديدة تعيد رسم موقعها الإقليمي والدولي.
المعطى اللافت أن هذا التحوّل لم يكن وليد اللحظة. فقد سبقته إشارات قوية، كان أبرزها وثيقة سياسية صدرت في 9 يونيو، بعنوان: “شراكة استراتيجية من أجل الوحدة الإفريقية والتحرر الاقتصادي والوحدة الترابية: المغرب”.
الوثيقة، المكونة من 17 صفحة، لم تكتفِ بالتلميح، بل دعت بوضوح إلى كسر الطابوهات ومراجعة الخط السياسي تجاه قضية الصحراء.
في هذا السياق، ذكّر مسؤولو الحزب بالعلاقات التاريخية التي تربط الرباط بحركات التحرر في جنوب إفريقيا، حيث استعاد ماغاسيلا مزوبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالحزب، موقفاً نادراً ما يُذكر:
“نيلسون مانديلا تلقى تدريبه العسكري سنة 1962 في المغرب، وكانت المملكة من أول الداعمين لنضالنا ضد نظام الفصل العنصري.”
وبين رمزية الماضي ومتغيرات الحاضر، يرسم حزب “أومكونتو وي سيزوي” اليوم طريقاً جديداً، عنوانه إعادة الاعتبار للتاريخ الحقيقي للتحالفات الإفريقية، والنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً طبيعياً وقوة قارية فاعلة.
هذه الخطوة، وإن جاءت من حزب معارض، فإنها تعكس مزاجاً عاماً بدأ يتغير في جنوب القارة، وربما تمهّد لتصدّع أوسع داخل المواقف التي طالما شكّلت جدار دعم للبوليساريو. أما الجزائر، حليفة الجبهة التاريخية، فتجد نفسها أمام معادلة جديدة تعقّد رهاناتها وتقلّص من هامش مناورتها.
في المحصلة، لم يكن بيان زوما مجرد موقف لحظي، بل بداية مرحلة. مرحلة عنوانها: “أفريقيا تراجع أوراقها… والمغرب يربح جولة جديدة في معركة الاعتراف.”










































