تكشف معطيات مشروع قانون المالية المغربي لسنة 2027 استمرار الضغوط على ميزانية الدولة بفعل ارتفاع تكاليف دعم المواد الأساسية، خصوصاً غاز البوتان، الذي يستحوذ على الحصة الأكبر من نفقات المقاصة، في ظل تقلبات أسواق الطاقة الدولية وارتفاع تكاليف الشحن البحري.
ورصدت الحكومة 19.4 مليار درهم لمواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين خلال السنة المقبلة. ويأتي هذا الغلاف المالي في وقت تباينت فيه كلفة دعم هذه المواد، بعدما ساهم تراجع الأسعار العالمية للسكر وتحسن محصول الحبوب في تخفيف جزء من الأعباء، مقابل استمرار الضغط الناتج عن ارتفاع كلفة واردات الغاز.
وبحسب تقرير المقاصة المرفق بمشروع قانون المالية، فتحت الحكومة اعتمادات إضافية بقيمة 8 مليارات درهم خلال سنة 2026، لترتفع الاعتمادات الإجمالية إلى 21.77 مليار درهم، مقابل 13.77 مليار درهم كانت مبرمجة في البداية.
ويمثل الغلاف المالي المقترح لسنة 2027 زيادة بنحو 40.9 في المائة مقارنة بالاعتمادات الأولية لسنة 2026، لكنه يقل بنسبة 10.9 في المائة عن إجمالي الاعتمادات المفتوحة بعد مراجعتها، ما يعكس استمرار ارتباط نفقات المقاصة بتطور أسعار المواد الأساسية في الأسواق الدولية وتكاليف استيرادها.
غاز البوتان يواصل الضغط على ميزانية الدولة
أبرز التقرير أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والاضطرابات التي طالت الملاحة عبر مضيق هرمز ساهمت في ارتفاع أسعار الطاقة. وبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 91 دولاراً للبرميل خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، مقابل 71 دولاراً خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بزيادة نسبتها 27.2 في المائة.
وانعكس هذا الارتفاع على كلفة استيراد غاز البوتان، ما دفع الدولة إلى تحمل نفقات إضافية للحفاظ على أسعار البيع الموجهة إلى المستهلكين.
وارتفع متوسط مساهمة الدولة في تمويل قنينة الغاز من فئة 12 كيلوغراماً إلى 61.79 درهم خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2026، مقابل 53.47 درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، وفق الأرقام الواردة في التقرير، بزيادة تقارب 15.6 في المائة.
كما ارتفعت الكلفة الإجمالية لقنينة الغاز من 99 درهماً في يناير إلى 129 درهماً خلال أبريل، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الأسواق الدولية. وارتفعت مساهمة الدولة في تغطية هذه الكلفة من 49 إلى نحو 61 في المائة، مقابل تحمل المستهلك النسبة المتبقية.
ومع تراجع الضغوط نسبياً، استقر الدعم العمومي عند نحو 58 درهماً للقنينة خلال يوليوز وغشت.
وقدرت الكلفة الإجمالية لدعم غاز البوتان بنحو 9 مليارات درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، مقابل 8.6 مليار درهم خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقارب 5 في المائة. كما ارتفع متوسط الإنفاق الشهري من نحو 900 مليون درهم قبل تصاعد الأزمة إلى حوالي 1.3 مليار درهم بعدها.
وارتبط هذا التطور بارتفاع متوسط سعر البوتان المعتمد في الصيغة المغربية إلى 611 دولاراً للطن، بزيادة نسبتها 14 في المائة، بعدما بلغ 856 دولاراً خلال مارس الماضي. وتزامن ذلك مع ارتفاع كلفة الشحن البحري على الخط الرابط بين ميناء هيوستن الأميركي وميناء المحمدية، لتصل إلى 166 دولاراً للطن خلال غشت.
وامتدت الضغوط إلى تدبير المخزونات الوطنية، إذ ارتفعت واردات المغرب من غاز البوتان إلى مستوى قياسي بلغ 1.49 مليون طن خلال النصف الأول من 2026، من بينها 331 ألف طن خلال أبريل وحده. وحافظت الولايات المتحدة على موقعها مورداً رئيسياً للمغرب، بحصص شهرية تراوحت بين 64 و86 في المائة من إجمالي الواردات.
تراجع كلفة دعم السكر
في المقابل، سجل دعم السكر تطوراً مغايراً، بعدما ساهم انخفاض الأسعار الدولية في تقليص الكلفة الصافية التي تتحملها الدولة.
وتراجع متوسط سعر السكر الخام في الأسواق العالمية إلى 352 دولاراً للطن، مقابل 421 دولاراً خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بانخفاض نسبته 16.4 في المائة. وأتاح هذا التطور، وفق التقرير، استرجاع نحو 700 مليون درهم لفائدة الدولة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، بعدما كلفت آلية استيراد السكر الميزانية نحو 300 مليون درهم خلال الفترة المماثلة من 2025.
ومع ذلك، واصلت الدولة تحمل دعم استهلاك السكر المكرر بقيمة 3.67 درهم للكيلوغرام، بكلفة إجمالية قدرت بنحو 2.7 مليار درهم خلال الفترة المذكورة، بانخفاض نسبته 10.8 في المائة.
وبعد احتساب المبالغ المتوقع استرجاعها من آلية الاستيراد، قد تتراجع الكلفة الصافية لدعم السكر إلى نحو ملياري درهم، مقابل 3.3 مليار درهم قبل سنة، أي بانخفاض يقارب 39 في المائة.
وتعززت هذه الوضعية مع تحسن آفاق الإنتاج الوطني من الزراعات السكرية، الذي يرتقب أن يبلغ 300 ألف طن خلال 2026. غير أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى نحو 24 في المائة من الاستهلاك الوطني، مقابل 76 في المائة توفرها الواردات، ما يبقي كلفة الدعم مرتبطة بتقلبات الأسواق الخارجية.
تحسن محصول الحبوب يخفف أعباء الاستيراد
وبخصوص القمح اللين، لم تضطر الدولة إلى تفعيل آلية دعم الاستيراد خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2026، بعدما ظلت الكلفة الفعلية للواردات دون السعر المستهدف المحدد في 270 درهماً للقنطار.
وجاء ذلك رغم ارتفاع متوسط سعر القمح الفرنسي إلى نحو 241 دولاراً للطن، مقابل 238 دولاراً خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بزيادة محدودة بلغت 1.3 في المائة.
وتزامن هذا التطور مع تحسن الإنتاج الوطني للحبوب، الذي بلغ نحو 90 مليون قنطار خلال الموسم الفلاحي الأخير، بزيادة نسبتها 109 في المائة مقارنة بالموسم السابق، منها 44 مليون قنطار من القمح اللين. واستفاد المحصول من تحسن التساقطات المطرية خلال شتاء 2025-2026، التي بلغت نحو 136 مليمتراً.
لكن عدم تفعيل دعم استيراد القمح اللين لم ينه الأعباء المرتبطة بالدقيق الوطني، إذ أشار التقرير إلى استمرار تحمل الدولة تكاليف مرتبطة بتجميع المحصول المحلي وتخزينه وتثمينه.
وبلغت الكميات المجمعة من القمح اللين الوطني نحو 6.5 مليون قنطار إلى نهاية غشت، على أساس سعر مرجعي حدد في 280 درهماً للقنطار، في إطار التدابير الرامية إلى تثمين الإنتاج المحلي وضمان تموين المطاحن والحفاظ على استقرار أسعار الدقيق الوطني.
دعم استثنائي لقطاع النقل الطرقي
وامتدت التدخلات الحكومية إلى قطاع النقل الطرقي، مع إعادة تفعيل آلية الدعم الاستثنائي لفائدة المهنيين لمواجهة ارتفاع أسعار الغازوال، الذي بلغ متوسط سعره الدولي نحو 1075 دولاراً للطن، بزيادة نسبتها 55.6 في المائة.
وبلغ مجموع المبالغ المعبأة لهذا الغرض نحو 2.488 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من يناير إلى شتنبر 2026، بهدف الحد من انتقال ارتفاع تكاليف المحروقات إلى أسعار خدمات النقل وتوزيع السلع والبضائع.
وبموازاة ذلك، أحدثت الحكومة لجنة وزارية لتتبع تداعيات الظرفية الدولية على الاقتصاد الوطني وتنسيق تدخلات القطاعات المعنية. كما شملت الإجراءات تعزيز مراقبة الأسعار ومحاربة المضاربة، وتنويع مصادر التموين بالمواد الطاقية، واتخاذ تدابير استباقية لتأمين حاجيات السوق الوطنية وضمان استمرارية الإمدادات.
وشملت تدخلات المقاصة أيضاً مواصلة دعم أسعار استهلاك بعض المواد الغذائية لفائدة سكان الأقاليم الجنوبية، بكلفة بلغت 64 مليون درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية.
وتعكس هذه المعطيات استمرار سعي الحكومة إلى احتواء انعكاسات الاضطرابات الدولية على القدرة الشرائية للأسر وتكاليف الإنتاج والتوزيع، في وقت تظل فيه كلفة دعم المواد الأساسية رهينة بتطور أسعار الطاقة والسلع في الأسواق العالمية








