في كرة القدم، قد تُفتح لك الأبواب بالقدم اليسرى، لكنك لا تعبر المسافات إلا إذا عرفت أين تقف روحك. وإبراهيم دياز، الذي جاب أوروبا طفلاً بلا لغة، عاد إليها فتىً بلا خوف، ليكتشف أن السؤال الأكبر لم يكن: كيف ألعب؟ بل: لمن ألعب؟
في صورةٍ مبكرة له بإنجلترا، كان إبراهيم يقف في ملعب تدريبات مانشستر سيتي، نحيلًا، بابتسامة تشبه دهشة طفل لا يهمّه من يفهم كلامه، بقدر ما يهمّه من يفهم لعبه. كان والده سفيان، “سوفي”، يراقبه من الخلف: أبٌ بدأ الأبوة قبل الرجولة، وعلّم ابنه أن الحياة تُلعب مثل الكرة: تمريرة محسوبة، ومخاطرة محسوبة، وانطلاقة لا تنتظر التصفيق.
إبراهيم لم يولد في ظروف تسمح له بأن يكون شاعراً، لكنه وُلد في بيئة صنعت منه قصة. في بيتٍ صغيرٍ بمليلية، كانت أمه باتريسيا، الإسبانية ذات العناد اللطيف، تُربّي خمسة أحلامٍ دفعة واحدة، بينما كان الأب يجرّب المهن كما يجرّب المدرب خططه: مؤقتة، متعددة، لكنها تصب في هدف واحد: ألا يسقط أحد.
حين لاحظ “سوفي” موهبة ابنه في سنٍ لا تسمح حتى باكتمال صورة القدم، لم يرسل سيرته إلى الأندية، بل أرسل الولد نفسه: “اذهب إلى الملعب، واتركهم يختلفون على اسمك لاحقاً”. وهكذا، لم يحتج إبراهيم إلى أن يُعرّف بنفسه. الكرة كانت تقوم بذلك نيابة عنه، بيسارٍ مخمليّ يكتب الجملة قبل أن تُكتب على الورق.
في أكاديميات الكرة، كان دائمًا الأصغر بين الأكبر، والأهدأ بين الأكثر صخباً، لكنه الأكثر وضوحاً حين تبدأ المباراة. وحين جاءته مدريد بعرضٍ رسمي، لم يذهب ليبحث عن مجد، بل ذهب ليُكمِل جملةً بدأتها الموهبة: أن أكون بين النجوم… لكن بنجمي الخاص.
في ميلان، خلال الإعارة، لم يكن ابراهيم يهرب من الفريق، بل كان يهرب من الظل. كان يلعب بشراسة من يريد أن يوقّع على ذاته، لا على عقدٍ فقط. عامان هناك، كانا كافيين ليفهم أن الإعارة ليست من مدريد إلى ميلان، بل من الصبي إلى الرجل.
وعندما عاد إلى ريال مدريد، لم يعد ذلك الولد الذي يختبر الحلم، بل الولد الذي يختبره الحلم نفسه. دخل التشكيلة كمن يدخل غرفةً مليئة بالمرايا: لن تبحث عن نفسك، ستفرضها. ومع توالي المباريات، لم يكن يربح مكانه فقط، بل كان يربح سؤاله القديم: أنا هنا… لأنني لم أكن في مكانٍ واحدٍ قط.
إبراهيم أحب إسبانيا كما يحب المرء نافذته الأولى: هناك رأى الضوء، وهناك تدرّج، وهناك حمل اسم أمه تكريماً قبل أن يكون اختياراً استراتيجياً. لكنه حين استدعته “لاروخا” للمنتخب الأول، لم يكن يرفض قميصاً، بل كان يؤجّل تعريفه. كان يريد أن يسمع داخله أولاً: أي علمٍ يسبق الآخر في قلبي؟
المغرب لم يقدّم له وعداً تقنياً، ولا مشروعاً تسويقياً، بل قدّم له معنىً موازياً لما تعلّمه طفلاً: أنت لا تأتي لتُصلح فريقاً، أنت تأتي لتُكمِل حكاية.
وهكذا، حين سُئل لاحقاً عن المنتخب، تهرّب بظُرف لاعبٍ يعرف أن الإجابة ليست تصريحاً، بل لحظةً قادمة: “أنا الآن في ريال مدريد”… أي أنني الآن في نفسي.
إبراهيم دياز ليس لاعبًا حسم جنسيته الرياضية، بل لاعبًا حسم المعنى: من لعب كثيراً بلا وطنٍ واحد، سيختار في النهاية وطنه الذي يلعب فيه بقدميه… وقلبه معاً.









































