برحيل عبد الهادي بلخياط، يطوي المغرب صفحة أحد أبرز رموز الأغنية الوطنية، وصوتٍ استثنائي أسهم، منذ فجر الاستقلال، في تشكيل الذائقة الفنية والوجدان الجمعي للمغاربة. فقد كان بلخياط، بما امتلكه من حنجرة قوية وحضور فني لافت، واحداً من آخر العمالقة الذين جمعوا بين عمق الطرب الأندلسي، وشجن المشرق، وروحانية الأداء الصوفي، في توليفة نادرة صنعت له مكانة متفردة في تاريخ الموسيقى المغربية.
وُلد عبد الهادي بلخياط، واسمه الحقيقي عبد الهادي الزوكاري الإدريسي، سنة 1940 بمدينة فاس، في بيئة محافظة ومشبعة بالتقاليد العلمية والروحية. وفي أزقة المدينة العتيقة، تفتحت موهبته مبكراً، متأثراً بالمديح والسماع الصوفي وبكبار المقرئين، وهو ما منح صوته تلك النبرة الروحانية التي رافقته حتى في أوج عطائه الغنائي.
في أواخر خمسينيات القرن الماضي، انتقل إلى الدار البيضاء حاملاً طموح شاب يبحث عن موقعه في المشهد الفني، حيث التقى أسماء ستترك بصمتها العميقة في مسيرته، من بينهم الملحن عبد السلام عامر والشاعر أحمد الطيب العلج. ولم يكن طريقه مفروشاً بالسهولة، إذ اضطر في بداياته إلى الجمع بين الدراسة والعمل لمساعدة أسرته، قبل أن يقتحم الإذاعة الوطنية ويفرض صوته سريعاً بفضل قوته وتميزه.
عرفت مسيرة بلخياط ذروتها خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين شكّل مع الملحن عبد السلام عامر ثنائياً استثنائياً أثمر أعمالاً خالدة، في مقدمتها قصيدة “القمر الأحمر” سنة 1964، التي اعتُبرت آنذاك منعطفاً في تاريخ الأغنية المغربية، وفتحت أمامها آفاق الانتشار عربياً. ولم يقتصر رصيده على الأغنية العاطفية، بل تنوع بين القصيدة الفصحى، والزجل الراقي، والأغنية الوطنية، متعاوناً مع أسماء بارزة مثل عبد الرفيع الجواهري.
وقد شكّل بلخياط، إلى جانب جيل ذهبي ضم أسماء مثل عبد الوهاب الدكالي، محمد الحياني، محمود الإدريسي ونعيمة سميح، مرحلة ازدهار استثنائية للأغنية المغربية. وامتلك قدرة لافتة على التلوين المقامي والأداء التطريبي، ما أهّله للوقوف على مسارح دولية كبرى، من بينها مسرح “الأوليمبيا” بباريس، كما نال تكريمات وازنة داخل المغرب وخارجه، من أبرزها وسام الكفاءة الفكرية.
وحظي الراحل بتقدير رسمي رفيع، إذ وشحه الملك محمد السادس سنة 2015 بوسام المكافأة الوطنية من درجة قائد، تقديراً لمسيرته الفنية وإسهاماته في إشعاع الأغنية المغربية، كما كان قد نال الأسطوانة الذهبية عن رائعته “القمر الأحمر” سنة 1973.
ومع مطلع الألفية الجديدة، بدأ بلخياط يميل تدريجياً إلى الزهد والتصوف، قبل أن يحسم خياره سنة 2012 باعتزال الأغنية العاطفية، مكرساً ما تبقى من حياته للمديح والابتهال. وكانت قصيدة “المنفرجة” محطة مفصلية في هذا التحول، حيث قدّمها بإحساس صادق جعلها علامة بارزة في مرحلته الروحية.
وفي سنواته الأخيرة، عانى الراحل من متاعب صحية متكررة، خضع على إثرها للعلاج بالمستشفى العسكري بالرباط، وسط متابعة واهتمام ملكي وتعاطف واسع من جمهوره.
برحيل عبد الهادي بلخياط، يفقد المغرب صوتاً غنّى للحب والوطن والإنسان، قبل أن يختم مسيرته في رحاب الذكر والابتهال. جسده يغيّبه الموت، لكن صوته سيظل حاضراً في الذاكرة الجماعية، شاهداً على زمن الفن الجميل وعلى مرحلة صنعت جزءاً من هوية الأغنية المغربية.










































