في بلد يفترض أن تكون فيه الأحزاب مدارس لتكوين المواطن، ومشاتل لإنتاج الأفكار، تحوّلت بعض هذه “المدارس” إلى حضانات دافئة للكسل السياسي، تتغذى بانتظام من حليب الدعم العمومي، ثم تُصاب فجأة بعسر هضمٍ مالي كلما طرق مجلس الحسابات الباب.
الدولة، مشكورة، لا تبخل. تفتح الخزينة، توزّع ملايين الدراهم بسخاء، تحت عنوان عريض: تأطير المواطن، تكوين الأطر، تنشيط الحياة السياسية. عنوان جميل، يصلح ليافطة مؤتمر أو لشعار مطبوع على لافتة بلاستيكية. لكن، في الواقع، كثير من هذه الملايين تذوب في جلسات شاي مطوّلة، وموائد نقاش بلا نقاش، وندوات لا يحضرها إلا المنظمون أنفسهم… إن حضروا.
ثم، فجأة، يظهر مجلس الحسابات. لا يرفع صوته، لا يشتم، لا يسخر. فقط يكتب ببرودة الأرقام
ضعف في التدبير. اختلالات. غياب تبرير. مطلوب إرجاع 21 مليون درهم.
وهنا تبدأ الأحزاب في لعب دور الضحية “سوء فهم محاسباتي”، “إكراهات تنظيمية”، “نقص في الموارد البشرية المؤهلة”… كأن المال العمومي كان يتيماً لا يعرف طريقه، فضاع وحده.
الأحزاب التي تتلقى الدعم لتأطير المواطنين، نسيت المواطن في زحمة البحث عن التزكيات. الأحزاب التي وُجدت لتأطير الشباب، لم تعد ترى الشباب إلا في صور الحملات الانتخابية، بابتسامات جاهزة وشعارات مستهلكة. أما التأطير الحقيقي، فقد أُجّل إلى إشعار غير معلوم، ربما بعد الفوز بمقعد إضافي في البرلمان، أو كرسي مريح في جماعة محلية.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه صورة المغرب لحروب إعلامية وسياسية شرسة، حيث تحتاج البلاد إلى خطاب حزبي قوي، منظم، وواعٍ، نجد أحزاباً ناعمة أكثر من اللازم، تتعامل مع السياسة كطقس اجتماعي .. اجتماع هنا، شاي هناك، صورة جماعية، ثم بيان بارد لا يقرأه أحد.
لا معركة فكرية، لا دفاع صلب، لا تعبئة. فقط انتظار الدعم الموالي، وكأن الوطنية تُصرف على دفعات.
الأحزاب، في كثير من الحالات، لم تعد أدوات لتأطير المجتمع، بل آليات لتدوير النخب نفسها نفس الوجوه، نفس الخطابات، نفس الوعود، مع اختلاف لون الشعار فقط. الشعب؟ مؤجل. التأطير؟ مؤجل. المحاسبة؟ ننتظر تقريراً جديداً.
ومع كل تقرير لمجلس الحسابات، تتجدد المفارقة الدولة تدعم، الأحزاب تُهدر، ثم الدولة تُحاسب، والأحزاب تستغرب. كأن المال العمومي هدية شخصية، لا أمانة، وكأن الدعم حق مكتسب لا يرافقه واجب.
إذا كانت الملايين لا تكفي لتأطير المواطنين، فكيف ستكفي الوعود لتدبير وطن..








































