كلما واجهت المملكة وضعية كارثية أو حدثاً استثنائياً ذا انعكاسات واسعة، يعود النقاش العمومي بقوة حول منظومة التعويض المعتمدة، ومدى نجاعتها في الاستجابة لحاجيات المتضررين، سواء تعلق الأمر بجبر الأضرار البدنية أو بتعويض الخسائر التي تمس السكن والممتلكات، في أفق استعادة الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي والاقتصادي بالمناطق المتأثرة.
وقد أعادت الفيضانات التي تشهدها مدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة هذا الملف إلى واجهة الاهتمام، خصوصاً في ما يرتبط بتفعيل نظام تغطية عواقب الوقائع الكارثية، المؤطر بالقانون رقم 110.14، الذي دخل حيز التنفيذ مطلع سنة 2020، باعتباره الإطار القانوني المرجعي للتعامل مع مثل هذه الأوضاع الاستثنائية.
ويقوم هذا النظام على مبدأ توزيع الأدوار بين مختلف الفاعلين، إذ تتكفل شركات التأمين بتعويض المؤمن لهم عن الأضرار اللاحقة بهم، في حين يتولى صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية دعم الأشخاص غير المستفيدين من أي تغطية تأمينية، في إطار مقاربة تضامنية تروم توسيع دائرة الحماية الاجتماعية وتقليص الهشاشة في أوقات الأزمات.
ويشمل نطاق هذا النظام مختلف الأضرار الناتجة عن الوقائع الكارثية، سواء تلك المرتبطة بالظواهر الطبيعية، مثل الزلازل والفيضانات وارتفاع منسوب المياه أو المد البحري، أو الوقائع ذات المنشأ البشري الاستثنائي، من قبيل الأعمال الإرهابية أو الاضطرابات الجماعية، وذلك وفق شروط دقيقة ومساطر محددة قانوناً.
وفي هذا السياق، وجدت مدينة القصر الكبير نفسها، خلال الأيام الأخيرة، أمام وضع مائي غير مسبوق، بفعل الارتفاع الكبير في منسوب مياه وادي اللوكوس المحاذي للمدينة، نتيجة امتلاء سد واد المخازن بالكامل، وما رافق ذلك من تدفقات قوية فاقت الطاقة الاستيعابية للمجاري الطبيعية.
ورغم عدم تسجيل خسائر في الأرواح إلى حدود الساعة، فإن هذه الفيضانات خلفت أضراراً مادية وُصفت بالمهمة، همّت مرافق عمومية ومحلات تجارية وممتلكات خاصة للمواطنين، فضلاً عن تنامي المخاوف بشأن تأثيراتها المحتملة على المعالم التاريخية والرصيد المعماري الذي تزخر به المدينة.
وأمام خطورة الوضع، انخرطت القوات المسلحة الملكية، منذ الساعات الأولى للأزمة، في مجهودات ميدانية مكثفة، شملت إقامة خيام وتجهيزها كمراكز مؤقتة للإيواء داخل المدينة، في إطار تدخل استباقي هدفه حماية الساكنة وتأمين شروط العيش الأساسية للمتضررين.
كما تميزت هذه العمليات بتنسيق واسع بين مختلف المتدخلين، من قوات الأمن الوطني والدرك الملكي والوقاية المدنية، إلى جانب السلطات الترابية، حيث ما تزال عمليات إخلاء الأحياء المهددة متواصلة، مع نقل السكان إلى مراكز إيواء خارج المدينة، من بينها فضاءات مهيأة بكل من الفنيدق وتطوان، إضافة إلى الغابة الدبلوماسية بمدينة طنجة.
وفي انتظار انقشاع الأزمة، يظل الرهان معقوداً على سرعة وفعالية تفعيل آليات التعويض المنصوص عليها قانوناً، ليس فقط لجبر الضرر، ولكن أيضاً لترسيخ الثقة في منظومة الحماية الاجتماعية، وجعلها قادرة على مواكبة التحولات المناخية والكوارث الطبيعية المتزايدة التي باتت تفرض نفسها كاختبار حقيقي للسياسات العمومية.









































