عاد النقاش حول الحق في الحصول على المعلومات إلى الواجهة، بعد أن دعت لجنة الحق في الحصول على المعلومات إلى مراجعة شاملة للقانون رقم 31.13، معتبرة أن الصيغة الحالية لم تعد كافية لترجمة روح الدستور المغربي، ولا سيما الفصل 27 الذي يقر هذا الحق باعتباره أحد مرتكزات الشفافية ومساءلة المال العام.
وفي تقرير تشخيصي موسع، شددت اللجنة على أن الأصل في المعلومات العمومية يجب أن يكون الإتاحة، لا الحجب، وأن أي استثناء لا بد أن يظل محدداً بدقة ومحصوراً في نطاق ضيق، يتعلق أساساً بحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، ومتطلبات الدفاع الوطني والأمن الداخلي والخارجي، ومقتضيات الأرشيف، دون التوسع في التأويل أو التذرع غير المشروع بالسرية.
وانتقد التقرير ما وصفه بـ«السلطة التقديرية الواسعة» التي تتمتع بها بعض الإدارات والمؤسسات العمومية في تقييد الوصول إلى المعلومات، داعياً إلى ضبط هذه السلطة بنصوص واضحة، مع إقرار جزاءات تأديبية في حق كل من يثبت تعمده توظيف الاستثناءات خارج ما يسمح به القانون.
النشر الاستباقي… من خيار إداري إلى التزام قانوني
ومن بين أبرز ما تضمنه التقرير، التأكيد على ضرورة جعل النشر الاستباقي واجباً قانونياً فورياً، لا رهيناً بالإمكانيات التقنية أو البشرية للإدارات. واعتبرت اللجنة أن الحق في المعلومة لا يكتمل دون تمكين المواطنين من الولوج التلقائي إلى الوثائق والمعطيات الأساسية، دون الحاجة إلى تقديم طلبات فردية.
ودعت في هذا السياق إلى توسيع نطاق النشر ليشمل نتائج وإنجازات الإدارات العمومية، والدراسات الممولة من المال العام، وتقارير التدقيق المالي، وأنظمة الأجور والتعويضات، والقرارات التأديبية النهائية، ولوائح المستفيدين من الرخص والمأذونيات، فضلاً عن المعطيات الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية، وكل ما يتعلق بالمالية العمومية والميزانيات الوطنية والجهوية والمحلية.
نحو لجنة مستقلة بصلاحيات موسعة
وعلى المستوى المؤسساتي، أوصت اللجنة بالارتقاء بها إلى هيئة وطنية مستقلة، وفق الفصل 159 من الدستور، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، مع تمكينها من الموارد البشرية واللوجستية الكفيلة بأداء مهامها. كما دعت إلى توسيع صلاحياتها لتشمل إبداء الرأي في مشاريع القوانين والنصوص التنظيمية ذات الصلة، ومنح قراراتها طابع الإلزام، مع إلزام الإدارات بتزويدها بكل المعلومات الضرورية لمعالجة الشكايات.
وأكد التقرير أن تعزيز دور الأشخاص المكلفين بمعالجة طلبات الحصول على المعلومات داخل الإدارات يظل ركيزة أساسية لإنجاح هذا الورش، وذلك عبر توفير الحماية القانونية لهم، وتحفيزهم، وإحداث شبكات لتبادل الممارسات الجيدة وتطوير الأداء.
ملاءمة تشريعية وتغيير ثقافي
وشددت اللجنة على ضرورة ملاءمة القانون 31.13 مع باقي النصوص القانونية الخاصة، تفادياً لأي تضييق غير مباشر على الحق في المعلومة، مع ترجيح مبدأ الإتاحة كلما تعلق الأمر بتمويل من المال العام. كما دعت إلى إدماج هذا الحق ضمن برامج تكوين القضاة، والنشر المنتظم للقرارات القضائية ذات الصلة، بما يتيح تتبع الاجتهاد القضائي وتقييمه.
وفي بعده الأوسع، ربط التقرير فعالية القانون بتأهيل البيئة العامة، من خلال سياسات عمومية تعزز الانفتاح الإداري، وتواجه اختلالات بنيوية مثل ضعف الشفافية المالية، ومحدودية التشاركية، وتعقيد المساطر، وضعف توظيف التكنولوجيا الحديثة في تحسين الخدمات وتسهيل الولوج إلى المعلومات.
من نص قانوني إلى ممارسة فعلية
وخلصت اللجنة إلى أن إصلاح القانون 31.13 لم يعد ترفاً تشريعياً، بل ضرورة ديمقراطية لضمان ممارسة فعلية للحق في المعرفة، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات، وترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة. فالقانون، كما تؤكد، ينبغي أن يتحول من إطار نظري محدود الأثر إلى أداة عملية لحماية الحقوق، وضمان حسن تدبير المال العام، بما ينسجم مع روح الدستور وتطلعات المجتمع.









































